شعب العصابات وشعب المتظاهرين

ديمقراطية الولي الفقيه تتطلب صعاليك لكل منهم قانونه الخاص.
الخميس 2020/09/17
شعب فضائي "شقيق"

يوجد في العراق شعبان مختلفان، مسجلان رسميا في الوثائق الحكومية كمواطنين عراقيين.

الأول، هو شعب الاحتجاجات والتظاهرات التي لا تزال تجتاح عدة مدن في العراق. وهو يتألف من مواطني الدولة العراقية السابقة التي أسقطها الغزو الأميركي عام 2003.

أمّا الثاني، فهو شعب الولي الفقيه، وهو شعب المافيات، ممّن قام الحرس الثوري الإيراني بتصديرهم إلى العراق ويبلغ تعدادهم نحو مليوني نسمة، أو أكثر. كما يضم مواطنين “فضائيين”، لا وجود لهم سوى في السجلات الرسمية، وهؤلاء لا تتوفر إحصائية لتعدادهم، ولكنها تقدّر بما قد يصل إلى خمسة ملايين نسمة، لا يظهرون إلّا عندما يتمّ إجراء انتخابات، فينتخبون واحدا من أحزاب أو عصابات الولي الفقيه.

وهذان الشعبان يتعايشان بسلام، لأن أحدهما لا يعرف الآخر ولا يراه.

ولقد جعلت إيران من اختراع شعب “فضائي” تقليدا لدعم عصاباتها كلما دعت الحاجة إلى انتخابات. وهو أهمّ اختراع توصلت إليه “الثورة الخمينية” لضمان بقاء ميليشياتها في السلطة، مهما كان رأي الشعب الآخر.

ولقد ظهر جزء من هذا الشعب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في سوريا. حتى أن هناك بينهم من ترشح ليحتل مقعدا في مجلس الشعب السوري. صحيح أن هذا المجلس كان في الأساس مؤلفا من مواطنين مزيفين، لا علاقة لهم بالمواطنة، وجميعهم ينتمون إلى الحزب الحاكم، إلّا أنهم كانوا كائنات حقيقية، ويعتمدون على “ناخبين” يمارسون حقهم في قول “نعم”.

أمّا الآن، وبعد سلسلة من أعمال التهجير للمواطنين الأصليين، وإحلال سكان جدد محلّهم، برعاية الحرس الثوري، فإن السجلات الحكومية باتت تغصّ بمواطنين إيرانيين ومواطنين فضائيين وظيفتهم الوحيدة هي أن يقولوا “نعمين” للولي الفقيه حتى إذا شاء أن يترشح لرئاسة الجمهورية السورية، فيفوز بها هو أو غيره ممّن يرضى عنهم.

ولئن كانت التقاليد “الديمقراطية” في سوريا تقتضي انتخاب مرشحين مختوم على وثائقهم، من جانب المخابرات، أنهم مواطنون مخلصون للنظام، ويسبّحون بحمده بكرة وعشيا، إلّا أن المواطنين الجدد مختوم على هوياتهم بالحبر السري أنهم جيش تابع للحرس الثوري، وتلك الهويات يحملها المخلصون من الشبيحة، لكي ينتخب كل واحد منهم عشر مرات، أو بعشر بطاقات. فيفوز الذي يجب أن يفوز.

والإيرانيون يعانون هم أيضا من الشعب الإيراني الفضائي الشقيق. فمهما كان رأيهم بالنظام، أو بمأجوريه وجلاوزته، ومهما عمّت التظاهرات، ومهما تفشى القهر والحرمان والمجازر في مدن وأقاليم البلاد، فإن مرشحي الولي الفقيه هم الفائزون.

وهذا ما يجعل أي عملية انتخابية تجري تحت سلطة الميليشيات، عملية نصب، ولا سبيل للمواطنين الحقيقيين التيقن منها. ليس لأن شعب الفضائيين مسجل رسميا فحسب، بل لأن ميليشيات الولي الفقيه تعتبرهم سبيلها الوحيد للبقاء في السلطة، كائنا ما كان رأي الناخبين المخدوعين.

إيران جعلت من اختراع شعب "فضائي" تقليدا لدعم عصاباتها كلما دعت الحاجة إلى انتخابات، وهو أهم اختراع توصلت إليه "الثورة الخمينية" لضمان بقاء ميليشياتها في السلطة مهما كان رأي الشعب الآخر

والانتخابات هي آخر الطريق في الأنظمة الديمقراطية. إلا أنها في الدول التابعة للولي الفقيه أول الطريق. والفرق واضح وشاسع. ذلك أن الديمقراطية تتطلب بناء مؤسسات تمتثل للقانون، بينما ديمقراطية الولي الفقيه تتطلب صعاليك لكل منهم قانونه الخاص.

ويزمع العراقيون أن يقعوا في الفخ الذي سبق أن وقعوا فيه من قبل.

والظن السائد هو أن الفسادَ فسادٌ بالمال فحسب. وهذا من أسوأ الظنون وأكثرها سذاجة. ذلك أن سوسة الفساد تنخر السجلات والوثائق والإدارات والمؤسسات من دون أن يكون المال طرفا فيها بالضرورة.

ولقد هيمنت عصابات الولي الفقيه على مؤسسات التوثيق والتسجيل إلى درجة بات من المستحيل معرفة ما هو الحقيقي، وما هو المزيّف. حتى الأملاك والعقارات والأراضي تزيّفت وثائقها، كما تزيّفت الشركات، والتعاقدات، والتعهدات، والاتفاقات، وكل شيء آخر.

حتى الهواء مزيّف في العراق. ولا الماء نظيف، لأنه تزيّف بعقود وهمية للتطهير. فلماذا لا يتم تزييف الانتخابات، وهي عصب البقاء لكل زيف آخر؟

ولئن كان المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، فقد لُدغ العراقيون من هذا الجحر الميليشياوي عدّة مرات، وفي كل مرة يخرج الصعاليك هم الفائزون.

ولقد أعيد انتخاب أكثر الفاسدين انفضاحا، وأكثر المجرمين سفكا للدماء. ولم يسأل أحد كيف؟ ومن هم الذين انتخبوه؟

الشعب الفضائي الشقيق هو الذي فعل. وظل العراقيون حائرين. وحتى عندما كفوا عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع، فقد بقي هناك ناخبون،لا يراهم أحد، ولكن تراهم السجلات، وتصدّق الأمم المتحدة أنهم موجودون.

أفهل يرعوي المخدوعون؟

أفلا يدركون أن الانتخابات، سوف تنزع احتجاجاتهم الشرعية، وتمنحها لمن يتظاهرون ضدها؟ فتجيز لدولة العصابات أن تفعل ما تشاء من بعد “انتخابها”؟

أفلا يرون أن ميليشيات الولي الفقيه لا تخشى الانتخابات، وتستعد لها بالوثائق الرسمية والسجلات التي تؤكد أن الصعلوك الواحد هو بالأحرى عشرة صعاليك. وأن مليون خاضع لسلطة الولي الفقيه هم بالأحرى 10 ملايين ناخب، وكلهم مسجلون رسميا كمواطنين؟

عندما تلعب اللعبة، أفلا يجب أن تكون قادرا على التحكم بقواعدها؟ وعندما تلعبها بقواعد يضعها النصّابون، أفهل تعتقد أنك سوف تخرج منها بفوز عظيم؟

ولو كانت اللعبة نزيهة، وقائمة على قواعد صحيحة، أفهل كانوا سوف يرضون بلعبها، من الأساس؟

فلماذا ترضى بلعبة هم من يملكون المال والأدوات والفضائيين لتحريكها وفق ما يشاؤون؟

هناك في العراق شعب للعصابات وشعب للمتظاهرين. وشعب العصابات هو الأكثر عددا، وهم الفائزون.

9