شعب تدرب على مؤانسة الموت

أصبح الحديث عن الجُثث والموتى في البلاد أمرا بسيطا ومعتادا خصوصا بعد أن تفشى الإرهاب في البلاد والمنطقة بصفة عامة وما رافق ذلك من سقوط العشرات من القتلى بأياد إرهابية.
الأحد 2018/06/10
يأس الشباب أدى بهم لركوب قوارب الموت

رغم أن الموت، بصفته تجربة قصوى لا تُعاش، يُعتبر من أهم القناعات التي تحظى بالقبول والقُدسية والاحترام في الثقافة العربية الإسلامية، إلاّ أنّ العديد من الدراسات والتقارير الدولية المتخصصّة في علوم الميتافيزيقا، وما تفرّع عنها من علوم حديثة على رأسها ما يُطلق على  تسميته بـ”علم الموت” أثبتت أن ارتفاع منسوب الخوف من الفناء ومغادرة الحياة هو أعدل الأشياء قسمة وتوزيعا بين البشر على اختلافات دياناتهم وأعراقهم وألوانهم.

ومع اعتياد شعوب المنطقة العربية منذ قرون بسبب الحروب والصراعات على تلقّي أخبار الموت سواء كان جماعيا أو فرديا بنوع كبير من الأريحية أي بمعنى أن المسألة تحوّلت إلى ما يشبه الممارسة اليومية، فإنّ ما يثير الاهتمام فعلا خصوصا عقب ما يُسمى بثورات الربيع العربي منذ عام 2011 هو تحوّل الظاهرة أيضا إلى مسألة “هيّنة” في جل البلدان العربية التي تعيش نوعا من الاستقرار السياسي ولو بصفة نسبية.

في بلدان مثل تونس والجزائر والمغرب ومصر، أصبح الموت لا يعني عبئا ثقيلا أو شبحا يطارد شعوبها وذلك لسببين أساسيين، أولهما يكمن في نجاح الحكومات القائمة فيها على تدريب المواطنين بشكل مُمنهج على احترام الموت وتلخيصه في كونه نتيجة حتمية لا مفرّ منها وخارجة عن نطاق الفعل الحكومي.

أما السبب الثاني، فيعود بصفة أدق إلى اعتياد شعوب منطقة المغرب العربي على وجه الخصوص على تواتر أنباء عن وفاة العشرات من غرقى الهجرة السرية في حوض البحر المتوسّط أو ارتفاع نسب الانتحار لدى الشباب والأطفال، علاوة على التعوّد شيئا فشيئا على الضربات الإرهابية التي ارتفعت بنسب قياسية عقب ثورات عام 2011.

في تونس مثلا، أدّت مؤخرا حادثة غرق مركب مهاجرين غير شرعيين قبالة سواحل جزيرة قرقنة ووفاة عدد كبير من الشباب المهاجر بطريقة غير شرعية طمعا في حياة أفضل في أوروبا، إلى تحوّل مسألة الموت الجماعي، مهما كان سببها، إلى حدث عادي وغير مستغرب في البلاد على عكس ما كانت تُثيره مثل هذه الفواجع من أثر في نفوس المواطنين في فترات سابقة، حيث كان نبأ جريمة واحدة قادرا على  هزّ أركان كل محافظات البلاد أو حتى أركان الدولة.

ورغم إجماع كل الملاحظين في تفسير ظواهر الموت غرقا أو انتحارا أو بسبب الإرهاب، على أن لها خلفيات سياسية عميقة كعجز الحكومات أو الدول على تأمين مستقبل أفضل لأبنائها، فإن تحوّل إذاعة خبر وفاة العشرات من المواطنين إلى عادي أو مُستهلك قد يؤكّد ما تذهب إليه بعض التحليلات السوسيولوجية المعمّقة والتي تشير إلى أنّ الدول التي تعرف نوعا من الاستقرار السياسي نجحت بقصد أو بغير قصد عبر خطاباتها السياسية العاجزة والمنمّقة في الآن ذاته على تدريب شعوبها على الاستئناس بالموت أو عبر تحميل المسؤوليات إلى جهات أخرى كالأسرة والمجتمع لا إلى الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة.

ومن أهم الدلائل على أن شعوب المغرب العربي بصفة دقيقة أصبحت شأنها شأن الدول التي تعرف حروبا دامية وصراعات كسوريا والعراق وليبيا ومالي متعوّدة على تقبّل الكوارث الإنسانية بصفة تكاد تكون يومية ما تبرزه أحدث التقارير السنوية لمنظمة الصحة العالمية بإقرارها أن دول شمال أفريقيا عرفت أعلى نسب في الانتحار عام 2016.

الآذان باتت تستغرب حين لا تسمع أخبار المصائب والموت والفواجع وليس العكس، مما يتطلب من الحكومات وجوب إيجاد مخارج حقيقية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي أغرقت شعوبها في معاشرة الموت والاستئناس به كحدث عابر وغير مؤثر

وكشف التقرير أن المغرب الأقصى احتل المرتبة الرابعة عالميا في نسب الانتحار بنسبة 5.3 بالمئة. وجاءت تونس في المرتبة التاسعة بنسبة 2.4 بالمئة، فيما احتلت الجزائر، الدولة النفطية والمنتجة للغاز الطبيعي، المرتبة الـ11 عالميا بـ1.9 بالمئة أي حالة لكل مئة ألف فرد.

وبغضّ النظر عن الأسباب والمسبّبات النفسية أو الفكرية التي تدفع في غالب الأحيان الشباب إلى الانتحار أو إلى الهجرة السرية، يوجد في المقابل إجماع كبير لدى نخب هذه البلدان أو طبقتها السياسية بأن عجز الخيارات السياسية للحكومات أدى بصفة آلية إلى يأس الشرائح الشابة من إمكانية تأمين مستقبل أفضل في بلدانها وهو ما يدفعها بالضرورة إما إلى الانتحار وإما إلى قوارب الموت أو حتى إلى التشدّد والانتماء إلى جماعات متطرّفة بسبب النقمة على سياسات الدولة.

وفضلا عن معوقات البطالة والتهميش، فإن لاختيار طريق الموت لدى شباب دول شمال أفريقيا أسبابا أكثر عمقا، منها ما كشفه تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحدث عن وجود 60 بالمئة من الشباب يعيشون الفقر والحرمان على مستوى فئتين، الأولى تعانيه بشكل حاد والثانية بشكل متوسط، علاوة على عدم توفّر أبسط الحقوق الأساسية من سكن وصحة.

قبل عام 2011، لم تكن الكوارث الإنسانية أو الموت الناتج عن اضطرابات نفسية أو اجتماعية في بعض البلدان العربية وخصوصا منها دول شمال أفريقيا التي عرفت استقرارا سياسيا طويل الأمد منذ تحقيقها للاستقلال عن دول أوروبية كفرنسا أو إيطاليا خبرا عاديا حيث كانت شعوب هذه المنطقة غير معنية على شاكلة أشقائها في الشرق الأوسط بسقوط العشرات أو المئات من القتلى إلا في حالات استثنائية تكون عادة ناتجة إما عن كوارث طبيعية قاهرة وإما في أقصى الحالات نتيجة لبعض محاولات الهجرة السرية.

لكن مع حصول العديد من التغيرات الجيوسياسية عقب ثورات الربيع العربي، بات الحديث عن قوارب الموت أو الانتحار حرقا أو شنقا نبأ أكثر من عادي بل ومتداول بشكل روتيني إلى أن أصبح في وقت وجيز غير مؤثر على المزاج العام لهذه الشعوب التي يبدو أنها اعتادت مرافقة الموت بل ومتهيئة لاستقباله في أي لحظة على عكس ما كان الأمر في السابق.

وربما قد يكون كافيا للقيام بجرد في تطور هذه المسألة السوسيولوجية الحاملة في طياتها لأسباب سياسية عميقة، التعريج على سيرورة الأحداث قي تونس منذ ثورة يناير 2011 وسقوط نظام زين العادين بن علي.

حين انتحر محمد البوعزيزي، الذي عدّ ملهم الشرارة الأولى للثورة في تونس في أواخر عام 2010، كان الحدث مأساويا بل وله أثر كبير في نفوس غالبية الشعب التونسي وخصوصا سُكان المناطق الداخلية المهمّشة، كما أنه كان منطلقا لتمرّد الشعب على الحاكم بل والإطاحة به في أقل من شهر.

وأدى سقوط قتلى إلى اصطفاف معظم المواطنين إلى منطق الثورة لما أثاره مشهد الموت حرقا من خوف في نفوسهم، لا لشيء وإنما لأنه شعب لم يعتد أن يكون الموت مرافقا لسيروة حياته اليومية في جذوره التاريخية على الأقل في العصر الحديث.

ولكن بمجرّد مرور الأعوام وتركّز حكومات منتخبة كانت على رأسها حكومات الترويكا، التي قادتها حركة النهضة الإسلامية، أصبح الحديث عن الجُثث والموتى في البلاد أمرا بسيطا ومعتادا خصوصا بعد أن تفشى الإرهاب في البلاد والمنطقة بصفة عامة وما رافق ذلك من سقوط العشرات من القتلى بأياد إرهابية وجدت أرضا خصبة ومهيّئة سياسيا ووطنيا وإقليميا.

وبتتالي المصائب والمآسي، بات التونسيون يجمعون في كل المنابر العامة في ظل عجز وفشل خيارات الحكومات المتعاقبة على حكم البلد على أن أنباء من قبيل  فقدان العشرات من الشباب في حوادث هجرة سرية أو سقوط ضحايا في  تفجيرات إرهابية أو الانتحار لم تعد تقضّ مضاجعهم بنفس القدر الذي كانت عليه في ماض ليس بالبعيد،  بل ويؤكدون أكثر من ذلك بأن كل الكوارث باتت مُرتقبة وملازمة لهم كظلهم ولذلك هم باتوا يهيئون أنفسهم من الناحية النفسية قبل تلقي أخبارها في المحطات الإذاعية والتلفزيونية.

ومن أهم الدلائل على سقوط الحكومات التي عادة ما تتخذ حلولا ترقيعية لذر الرماد على العيون، في جعل المصيبة تسكن وتعاشر مخيّلات الشعب، هو ذلك الفرق على سبيل المثال  بين الهبّة الشعبية التي شهدتها جنازة الناشط اليساري التونسي شكري بلعيد والتي غصّت بأكثر من مليون ونصف المليون مواطن فُجعوا لهول الحادثة وبين الحضور المُحتشم للمواطنين في محطات أخرى كانت حتى أكثر بشاعة كاغتيال الناشط السياسي محمد البراهمي أو اغتيال أعوان الأمن والجيش في عدة مرات أو حتى لدى تنظيم وقفات رمزية تشعل فيها الشموع للتعبير عن الغضب والحزن لفقدان العشرات من الشباب في حوادث غرق مراكب الهجرة السرية.

كل هذه التطورّات تُشير إلى أن الآذان باتت تستغرب حين لا تسمع أخبار المصائب والموت والفواجع وليس العكس، ممّا يتطلّب من الحكومات وجوب إيجاد مخارج حقيقية للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي أغرقت شعوبها في معاشرة الموت والاستئناس به كحدث عابر وغير مؤثر.

6