شعب متروك تنهشه الضباع

تُرك الشعب السوري وحيدا يشهد إبادته المستمرة على مدى أكثر من تسع سنوات على أيدي الجلادين المحليين والميليشيات الداعمة لهم وعلى أيدي قوى الاحتلال والمنظمات الإرهابية.
الاثنين 2020/07/13
لا مجيب لاستغاثات السوريين

على الحدود بين سوريا ولبنان، أي بين نقطتي المصنع اللبنانية وجديدة يابوس السورية، ومنذ أكثر من سبعة أيام، هناك مئات المواطنين السوريين العالقين. نساء ورجال وأطفال وشيوخ تقطعت بهم السبل في لبنان فاتجهوا إلى بلدهم، اجتازوا نقطة الحدود اللبنانية وهم يعرفون أنه لا سبيل للعودة إلى لبنان، لكنهم منعوا من الدخول إلى بلادهم سوريا.

سبعة أيام بلياليها أمضاها هؤلاء بلا مأوى ودون أي مساعدات من أي جهة محلية أو دولية. لا أحد يعلم بهم ولم يعرف بهم البقاعيون إلا من خلال سائقي الشاحنات العابرة الذين بادروا إلى تزويدهم بالقليل من الطعام والماء.

عمال بلدية مجدل عنجر الذين ينقلون النفايات إلى مكب قريب بادروا إلى نقل بعض المساعدات والأغطية لهم، لكن لا يمكنهم تمرير كميات كافية أو بشكل يومي عبر معبر دولي رسمي في نقطة المصنع اللبناني.

العالقون الممنوعون من الدخول إلى بلدهم بحجة الحجر الصحي (!) منعا لتفشي وباء كوفيد – 19، يقبعون إلى جانب الطريق الدولية التي تصل بيروت بدمشق حيث لا يعبر أحد سوى بعض شاحنات النقل الخارجي، لكنهم يراقبون سيارات حزب الله بمن فيها من مقاتلين تدخل سوريا وتغادرها بلا أي معوقات، في حين يمنع عليهم الدخول إلى بلادهم رغم تأكيدهم أنهم سيلتزمون الحجر المنزلي للمدة المطلوبة مهما طالت لو أتيح لهم ذلك.

بعد هذه السنوات الطويلة من المآسي والمجازر، يدرك السوريون أن لا مجيب لاستغاثاتهم، فيواجهون مصيرهم بصمت، يواجهون موتهم دون أن يطرقوا جدران الخزان

ما من جهة أو منظمة إغاثية أو إنسانية تدخلت لإنقاذ أو مساعدة هؤلاء رغم تردي صحة بعضهم وهم في العراء يفتقدون حتى إلى ماء الشرب.

أما النازحون على الحدود التركية نتيجة المعارك الأخيرة والهجمات الواسعة التي تعرضت لها مناطق ريف حماة الشمالي وأرياف إدلب وحلب، فقد منعت عنهم المساعدات الإنسانية بعد الفيتو الروسي الأخير في مجلس الأمن. مئات الآلاف من المواطنين السوريين الذين شردوا من بيوتهم يقبعون في مخيمات غير صالحة للسكن الآدمي تمنع عنهم المساعدات بقرار روسي. مخيمات مكتظة بالبشر لا تستطيع حمايتهم من حر الصيف فكيف لها أن تقيهم من برد الشتاء القادم وعواصفه؟ إنها مجزرة بحق مئات الآلاف من المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة، بل إنها إبادة جماعية تتحمل مسؤوليتها قبل روسيا وتنظيم الأسد وميليشيات نظام الملالي في طهران، منظمة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها المختصة بحقوق الإنسان والإغاثة والصليب الأحمر الدولي.

في الشمال الشرقي من سوريا وتحديدا مدينة الحسكة ومحافظتها، أوقف الاحتلال التركي مياه الشرب الذي تزودها بها محطة علوك التي تسيطر عليها القوات التركية والفصائل التابعة لها، ما حرم مئات الآلاف من السوريين من المياه في فصل الحر والجفاف. كيف تُمنع المياه عن مدن وقرى بأكملها؟ أين منظمة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها من هكذا جرائم ترتكب بحق مواطنين مدنيين في ظل كل ما تعانيه المنطقة من أهوال أمنيا واقتصاديا ومعيشيا وصحيا في زمن كورونا؟

نعم، لقد تُرك الشعب السوري وحيدا يشهد إبادته المستمرة على مدى أكثر من تسع سنوات على أيدي الجلادين المحليين والميليشيات الداعمة لهم وعلى أيدي قوى الاحتلال والمنظمات الإرهابية في حين تتنافس تلك الضباع على تركته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

بعد هذه السنوات الطويلة من المآسي والمجازر، يدرك السوريون أن لا مجيب لاستغاثاتهم، فيواجهون مصيرهم بصمت، يواجهون موتهم دون أن يطرقوا جدران الخزان (تحية لغسان كنفاني في ذكراه) لأنهم يعرفون تماما أن آذان العالم قد صُمّت حيالهم، فلا جدوى من صرخات الاستغاثة.

9