"شعب ورئيس".. اقتباس لحملات الدعاية العالمية

الكثير من الإعلاميين العرب لا يعون أن إطلاق الحملات الإعلامية وقت الانتخابات علم يدرس في الجامعات الغربية باعتباره أداة قوية يمكنها أن تعدل من النتيجة.
الجمعة 2018/03/23
صناعة الأمل بدعاية انتخابية

القاهرة- ظهر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، على شاشة التلفزيون بطريقة جديدة لم يألفها المشاهد المصري، متحدثا من مكتب أنيق وبسيط وخلفه مشهد لإحدى الحدائق، مرتديا زيّا غير رسمي على عكس ما اعتاده الجمهور.

وشكّل تصوّرا جديدا لدى وجدان المتابعين، هو ظهوره في حوار من نوع مغاير لما هو سائد في الإعلام المصري، بزاوية إخراجية قصيرة وسريعة ومتقطعة دون ظهور لوجه المحاورة، إلا في أوقات نادرة.

ولفت انتباه الجمهور، اختيار ساندرا نشأت المخرجة التي قدّمت للسينما المصرية أفلاما مهمة، لإدارة وإخراج الحوار مستعينة بصيحات إعلامية دولية للمرشحين في الانتخابات.

لا يعي الكثير من الإعلاميين في العالم العربي أن إطلاق الحملات الإعلامية وقت الانتخابات علم يدرس في الجامعات الغربية باعتباره أداة قوية يمكنها أن تعدل من نتيجة انتخابات وتحرك أصوات الجماهير، خاصة الجانب الإنساني منها. وهو ما اعتمدت عليه نشأت التي خرجت عن المألوف باختيار مكتب أنيق وبسيط وجوّ مشمس يعطي انطباعا بالأمل والمستقبل المشرق.

اتجاه حكومي للاستعانة بوجوه جديدة تؤسس لمرحلة مقبلة لإعلام لا يعتمد على "المذيع السياسي" أو "المذيع الزعيم"

واعتمدت على سياسة أشهر صانعي الحملات الانتخابية في العالم، وأبرزهم الأميركي ستيف هيبربراند، الذي صنع تغيّرا حقيقيا في طبيعة الحملات الانتخابية خلال توليه رئاسة الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي باراك أوباما في عام 2008 ضد جون ماكين.

وقدّم هيبربراند للمرة الأول شكلا جديدا للدعاية عن طريق استغلال وصول أول مرشح أميركي من أصل أفريقي للحكم، معتمدا على الأغاني الشعبية وإطلاق شعار خاص، وإدخال نظام الحوارات ذات الصور المتقطعة والزاوية القريبة.

في الغالب يتم إدخال مؤثرات صوتية هادئة تساعد المشاهد على الوصول لحالة القرب مع الضيف. واعتمد رؤساء آخرون على تلك الطريقة في حملاتهم الإعلامية، وبينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو.

وأكدت الناقدة المصرية ماجدة موريس، في تصريحات لـ”العرب”، أن ما فعله السيسي تكرّر قبل أيام مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وظهر في فيلم تسجيلي يوثّق حياته الشخصية، ولكن بشكل مختلف عمّا ظهر فيه السيسي. وأوضحت أن تلك الأفلام تأتي بنتائج إيجابية أكثر من البرامج الحوارية، تحديدا إذا ارتبطت بالترويج السياسي للانتخابات، وأن الشخصيات التي تكون مثار جدل كبير داخل بلدانها غالبا ما تلجأ إليها للتركيز على الجانب الإنساني بعيدا عن مشكلات السياسة.

وكان اختيار الرئيس المصري للظهور من خلال هذا الشكل من الحوار، قبل ثلاثة أيام من بدء الصمت الانتخابي، مثار ترحيب عدد كبير من المواطنين والنقاد أيضا، كما أن استماعه لوجهات نظر المواطنين الناقدة لفترة رئاسته الأولى، يخفف بشكل غير مباشر من حدة الاتهامات الموجهة إليه بغلق المجال العام والتضييق على الحريات.

ورأت ماجدة موريس، في تصريحات لـ”العرب”، أن السيسي أراد الظهور بصورة مغايرة عما جرى تقديمها من قبل، تحديدا بعد تزايد الانتقادات بشأن إدارة العملية الانتخابية، والارتكان إلى الأفلام التسجيلية وتركيزها على جوانب شخصية وخوضها في مجالات لم يتطرّق إليها من قبل يستهدف إلى تحسين الصورة الذهنية وإعادة الثقة بينه والفئات التي غيّرت موقفها المؤيد له.

وكشف تجاهل الرئيس المصري لمقدّمي برامج “التوك شو” واختياره للمخرجة نشأت لتقديم نفسه إعلاميا، عن وجود أزمة بين مؤسسات الدولة وبين عدد من الوجوه الإعلامية التي اعتادت الاعتماد عليها لتوصيل وجهة نظرها. وبرهنت الانتقادات المباشرة التي وجهها الرئيس المصري إلى برامج “التوك شو” خلال ظهوره في الفيلم التسجيلي، الذي حمل عنوان “شعب ورئيس”  وأذاعته الفضائيات المصرية، مساء الثلاثاء، عن رغبة حكومية في الاستعانة بوجوه جديدة تؤسس لمرحلة مقبلة لإعلام لا يعتمد على “المذيع السياسي” أو “المذيع الزعيم”.

وترى دوائر حكومية أن العديد من مقدّمي البرامج وقعوا في أخطاء فادحة على مدار السنوات الماضية تسببت في مشكلات دبلوماسية مع عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى وقوعها في مشكلات مهنية رصدها المجلس الأعلى للإعلام تسببت في فقدان مصداقيتها وعزوف المواطنين عنها.

وقال حسن علي، رئيس جمعية حماية المشاهدين، إن هناك جملة من العوامل أدّت إلى تدهور العلاقة بين الرئيس المصري وعدد من مقدّمي البرامج، على رأسها رغبته في تقديم نفسه بشكل مختلف لفترة رئاسية جديدة من دون التقيّد بنفس الوجوه القديمة التي قدّمته مع بداية فترته الرئاسية الأولى.

وهو الأمر الذي قد تكون له دلالات سياسية تتماشى مع الفترة الرئاسية الثانية والتي يعتبرها بمثابة جني ثمار ما زرعه في فترته الأولى، وأن صورته الذهنية كمنقذ لإطفاء حرائق ينبغي أن تخفت حاليا، والفترة المقبلة قد يطغى عليها التركيز على الجانب التنموي، ما يتطلب الارتكان إلى وجوه إعلامية شبابية تلقى قبولا لدى المواطنين وتساهم في إقناعهم بما تم تحقيقه.

وأضاف علي، في تصريحات لـ”العرب”، أن السبب الثاني يرتبط بقناعة الأجهزة الحكومية بانخفاض تأثير عدد من البرامج التي تعتمد عليها الفضائيات، وما ساعد ذلك إصرار غالبيتهم على الاستمرار بنفس الطريقة التي تعتمد على التعبئة بشكل يسيئ للموضوعية.

18