شعراء السبعينات في مصر متهمون بإفساد الذائقة الشعرية

الشاعر المصري يعتبر أن النصوص الشعرية السبعينية ساعدت على تكريس حالة الانغلاق، ويؤكد أن الشعرية العربية تبحث بجدية عن طاقات الشعر في النثر.
الجمعة 2018/07/06
أمجد ريان: شعراء السبعينات نسوا رائحة الحياة

لم يكن احتفاء الشاعر المصري أمجد ريان باللغة والرؤية الجمالية والفكرية للقصيدة ليمنعه من التقدّم مضيا في كسر النمط والتمرد على الثابت، هذا على الرغم من أنه أبرز منظري جيله من السبعينيين ومؤسسي مجلتهم الشهيرة “إضاءة 77” وحصوله على درجتي الماجستير والدكتوراه وأكثرهم تعاطيا مع النقد ومتابعة للتجربة الشعرية.

وفي هذا الحوار يقدّم ريان شهادة جريئة تتوافق مع رؤيته، يضيء من خلالها نقاطا مهمة حول فترة السبعينات وأجواء المشهد الشعري في ذلك الوقت، وطبيعة الصراع حول الرؤية الشعرية بين الأجيال، وموقف النقاد من الأجيال الشعرية سواء الجديدة أو تلك التي كانت راسخة وقتئذ.

المثالية الجمالية

بداية وحول تجربة شعراء السبعينات، قال ريان “كان للاتجاه الشعري والجمالي الذي أنتمي إليه، منذ البداية رأي فكري وجمالي لا أريد أن أقع في سلبيات الكثيرين، فأطلق تخيلاتي التي أتصور فيها أنني أملك الرأي الصحيح الوحيد! بل وأنا أميل إلى رأي من يقولون إن الشعرية السبعينية متهمة في مصر بإفساد الذائقة الشعرية لأسباب كثيرة، ليس أقلها أن النصوص الشعرية تعاملت مع اللغة شديدة التركيب بتعسف شديد ساعد على تكريس حالة من الانغلاق، دفعت الكثيرين من قراء الشعر إلى إهمال هذه النصوص”.

ولريان في هذه القضية وجهة نظر محددة، وهي أن تجربة شعراء السبعينات قامت في مجتمعاتنا العربية بدور فكري وثقافي شديد الأهمية، تجسّد في المساهمة بالخروج الشامل على الأحادية التاريخية، في الفكر والفن، وطرحت التعدد (الرؤيوي والجمالي والبنائي) شعارا، وقد رفدت الحياة الثقافية بطاقة هائلة، ما زالت تغذي الإبداع العربي إلى اليوم، وقد قامت هذه التجربة بدورها الذي لبى حاجات ضرورية في الحياة وفي الأدب، وأعطى دروسا فكرية وجمالية للأجيال التالية، بل وللأجيال السابقة في بعض الأحيان، إلاّ أن هذه التجربة قد وقعت في عدة مشكلات كفيلة بتحويلها من مكان الريادة إلى مكان تال، هو الأقرب بعد ذلك إلى الخفوت والانتهاء، والكمون حول ذاتها التي لم تعد قادرة على التفاعل مع الحياة.

ريان يرى أن شعراء السبعينات لا يزال بعضهم يدلون إلى اليوم بالتصاريح الهيكلية التي لا علاقة لها لا بالشعر ولا بالحياة
 

أوضح ريان أن أول هذه المشكلات هو السقوط في المثالية الجمالية التي يمكن أن ترى الجمال في “التصور، وليس في مد العالم وجزره، وحياته الفعلية، على الرغم من توجه الفكر الجمالي بالتدريج إلى مناطق جديدة فيها مكان لرائحة الوجود الحي، وفيها مكان لدور القارئ وأهمية وجوده في عملية خلق النص، ممّا عرفناه في أعمال هانز ياوس وآيزر وغيرهما، حيث هذا التوجه الجديد الذي يسعى لتعميق الكيفيات التي يتم فهم الأعمال الشعرية من خلالها لدى الجمهور العريض الذي تتعدد في داخله حساسيات الفهم وأساليب التعامل مع النصوص”.

والغريب في الأمر أن الكثيرين من شعراء السبعينات ما زالوا متوقفين عند حدود بعينها هي الحدود التي ثبتوا عندها منذ الفترات التي نشطت فيها قصائدهم، متصورين بأنهم يملكون سر الشعرية المكين الذي يظل قدرا أبديا فوق الزمان والمكان! أو أنهم امتلكوه امتلاكا وانتهى الأمر، سر الشعرية الذي أصبح لديهم صلبا بارقا مغلقا لا يصح أن يخدش أو يمس بسوء! وهذا هو أهم عامل عجل بانتهاء التجربة.

ويضيف ريان “كان لا بد أن يستفيد هؤلاء الشعراء من الدرس التاريخي الذي تعلموه جيدا في الماضي القريب، فعندما صدرت تجربتهم في بداية السبعينات اصطدموا بالوجه الشعري الأسبق، بل اضطروا للصراع معه، حيث انتصروا عليه انتصارا مؤزرا”.

ويتساءل “لماذا تم هذا النصر؟”، ويجيب “لأن المستقبل كان يجعل كفتهم ترجح لأنهم يبشرون بقيم وأفكار المستقبل الشعري، وحركة الواقع دائما في كل زمان وفي كل مكان تتجه نحو المستقبل، مبتعدة عن ركود وفشل القيم الفائتة التي لم تعد مجدية: وهذا بالضبط هو الدرس الذي لم يعوه جيدا، أو نسوه بسرعة، فبمجرد أن أعطيت لهم الفرصة التاريخية تشبثوا بمواقع الديمومة، وتخيلوا أن المجد الشعري هو قدرهم، ونسوا في غمرة الانتشاء حركة الزمن ودورانه القاسي المستمر الآخذ في النمو بلا توقف، ونسوا رائحة الحياة التي هي المصدر الفعلي الذي يرفد الشعر والفن كله بطاقة الاستمرار ولا يزال حتى اليوم عدد منهم يدلون بالتصاريح الهيكلية التي لا علاقة لها لا بالشعر ولا بالحياة”.

وبمرور الزمن، يضيف ريان “بدأت الحياة تتغير وتتبدل معطياتها، وصارت الثقافة تعانق الحياة الجديدة وتستفيد منها، بدأنا نتعامل مع الحياة الثرية بكل ما فيها من تعدد، وبدأنا نتعلم كيف نرفض الأحادية والسكون والانغلاق، في زمن تتحرك فيه ديناميكيات التفاوت والتباين والتجاور، بكل ما يحتويه هذا من تشابه وتناقض، وبدأ المجاز اللغوي يفقد مكانته، وأهميته المركزية السابقة، ويتحول إلى مجرد قناع سميك يخفي محاولات الهروب من مواجهة الواقع”.

المراوحة والتقهقر

لفت ريان إلى أنه كان يتصور أن أبناء جيله من الشعراء جميعا سيقفون إلى جوار التجديد وإلى جوار الأجيال الجديدة، وقال “تصورت هذا لأن أبناء جيلي هؤلاء هم الذين خاضوا في السبعينات أشرس المعارك العقلية والجمالية والعملية، بل والبدنية في بعض الأحيان عندما تعرضوا للرفض والحصار والاحتجاز والإيذاء والتهميش والتهديد والإفقار، ولأنهم مثلوا من خلال تجاربهم الشعرية حلقة جديدة من حلقات تطور قصيدة النثر، ولكن خذلني أبناء جيلي، وها هو واحد منهم يعلق على أحد الشعراء الجدد المنتمين إلى التسعينات في ندوة أقيمت في القاهرة فيوجه له الكلمات نفسها التي وجهت له من قبل على لسان أحد الذين ينتمون إلى الأجيال السابقة”.

قصيدة النثر تطورت كثيرا، وصارت تتسع في نموها إلى الدرجة التي بدأت فيها الكتابات الشعرية الأخرى في التراجع
 

وعن الحادثة يقول ريان “قال له بالنص: أنت تكتب أشياء جيدة، ولكن الكتابة الأدبية شيء آخر لا علاقة له بما تكتب، وعندما ألمحت لزميلي ابن جيلي بأن ما يقوله قد قيل له من قبل، وذكرته بالحادثة بالتفصيل وبتاريخها، ولّى وجهه بعيدا وتركني، وبرغم الدروس التي تعطيها حياتنا الثقافية اليوم له، ولي، ولأبناء جيلي جميعا، إلاّ أنهم لا يريدون أن يغادروا الماضي، متصورين أن انتصارات الأمس هي فردوس خالد فوق الزمان والمكان، ولم يعوا الحقيقة البسيطة التي رضوا بها بالأمس والتي تقول إن الزمان يتحرك، ويتغير ويزداد ثراء يوما بعد يوم، لقد بدأت الشعرية العربية تبحث بجدية عن طاقات الشعر في النثر، وعن استثمار هذه الطاقات المخزونة في النثر العربي منذ القديم، منذ تراثنا البعيد، والتي توقف تشغيلها منذ فترة طويلة”.

ويرى أمجد ريان أن النثر العربي منذ البداية كانت له جولاته وصولاته التي أثرت على تاريخ الكتابة الأدبية العربية، ولكن توقف هذا التأثير لحقب طويلة، وقد آن الأوان لتفجير هذا المخزون التاريخي المتراكم، معتبرا أن قصيدة النثر تطورت كثيرا، وصارت تتسع في نموها إلى الدرجة التي بدأت فيها الكتابات الشعرية الأخرى في الخفوت التدريجي والتراجع.

15