شعراء الفيسبوك

الأربعاء 2013/09/04

لعل أبرز ما یمیز الشعر العربي في لحظته الراهنة هو غیاب ملامحه الحقیقیة في ظل الفوضى والضجیج الذي أحدثه الانفجار الهائل في تقنیة الاتصالات. ترافق ذلك ظاهرة غریبة في المشهد الشعري الیوم هي ظهور نقاد جدد عدیمي الذائقة لا یكتبون إلا عن النصوص الردیئة.

أما النقاد الكبار فإنهم لا یكتبون إلا عن الشعراء الكبار الذین تحولوا بسبب هؤلاء النقاد وبعض أصحاب المهرجانات إلى أصنام شعریة تجدهم في كل مناسبة وفي كل محفل.

یستطیع الیوم أي مواطن عادي أن یصبح شاعرا بمجرد أن یمتلك جهاز كومبیوتر وبرید الكتروني.

فالاعتقاد الشائع أن قصیدة النثر بدون وزن وقافیة وكل ما یتطلبه الأمر أن ترصف الجمل تحت بعضها البعض لتحصل على قصیدة وترسلها مباشرة إلى أحد المواقع الالكترونیة أو تقوم بنشرها شخصيا على الفيس بوك وبذلك تصبح شاعرا رغم أنف الجمیع. في ظل هذه الفوضى تضیع الكثیر من النصوص الجیدة ویختفي الكثیر من الشعراء الممتازین.

لقد طغى الزبد إلى الحد الذي لم نعد نرى شیئا آخر سواه. ویبدو أن الشعر مرتبط بالمشهد السیاسي العربي أو انعكاس سیكولوجي له، فالخطب الرنانة التي نسمعها في الاجتماعات والقمم العربیة نجد صداها العالي في شعرنا الآن. قلة قلیلة جدا من شعرائنا المهمین انتبهت إلى هذه الظاهرة بشكل مبكر فتوقفت عن نشر النصوص واتجهت إلى نشر الكتب.

ذلك أن الكتب بحجمها وشكلها لا یمكن أن تضیع في هذا الركام. أخطر ما یواجهه الشعر العربي الآن هو سهولة النشر والجري المحموم باتجاه النجومیة.

هناك أسماء تتكرر في كل المواقع الالكترونیة وتنشر نصوصا (طازجة ومكتوبة للتو ومذیلة بتاریخ الیوم الذي نشرت فیها) ولا نرید أن نتحدث عن الأخطاء المرعبة في هذه النصوص لأنها تحصیل حاصل.

على أن ذلك لا یعني بالضرورة أن الشعر العربي ینحسر أو یراوح في مكانه، ولكن كما قلت في البدایة أن الرداءة طاغیة والذوق السیء هو السائد مما یجعل المشهد الشعري قاتما ویدعو إلى التشاؤم. وهذا في اعتقادي هو سبب التشویش الحاصل والمخیف في الأمر. إن بعض الشعراء الجیدین ما عادوا یثقون بما یكتبون، لأن النقد أصبح یتجاهلهم ویتجه إلى الكتابة النسویة ومغریاتها والأمثلة أكثر من أن تحصى.

مصادر التشویش كثیرة وأسبابها فردیة وجماعیة، بعض الصحف والمواقع لا تنشر سوى الشعر الرديء وغالبا ما یدیر هذه المواقع شعراء یعتزون بتجاربهم.

هذا تشویش فردي، أما التشویش الجماعي فیحدث عندما لا أنشر إلا لأبناء جلدتي وأقصي الآخرین، وهذا أیضا ما یجعل ثقافتنا العربیة ثقافة عنصریة إقلیمیة انعزالیة تمیل إلى التقلص والانكفاء.

إذن المشهد الشعري الراهن هو انعكاس للمشهد السیاسي العربي الراهن، المشهد المنفعل دائما. المشهد الذي لا یتأمل ولا یفكر ولا یعقل ولا یرید أن یعقل.

14