شعراء الفيسبوك وشعرهم

الخميس 2013/09/05

خلال عشرات السنوات من القراءة، لم تمر عليّ ركاكة في النصوص كهذه التي نشهدها اليوم، في مواقع التواصل الاجتماعي، والمدوّنات، وخصوصا في "الفيسبوك" الذي أتواصل به بصورة يومية تقريبا.

لن أتحدث عن النصوص المكتوبة للتواصل السريع والعابر، بل عن نصوص كتبت على أساس أنها نصوص إبداعية. وأعني هنا الركاكة الكارثية على مستويين: اللغة بتفرعاتها، والمستوى الفني للنصوص.

الركاكة على مستوى اللغة، فاحشة وكارثية حين تأتي من مبدعين مكرّسين، شعراء وقصاصين وروائيين ومسرحيين وفنانين، يفترض أن كلا منهم لديه قدر من القراءات والثقافة يكفي لتزويده بأساسيات اللغة، نحوا وتصريفا وكتابة إملائية، ولا أطالب بدقائقها. أما أن يخطئ في هذه الأساسيات فهذه نقيصة.

المستوى الثاني لا يقل خطورة عن الأول، فمن بين آلاف النصوص التي تنشر في هذا الفضاء، أزعم أن قلة قليلة منها تنطوي على الحد الأدنى مما يلبي الذائقة الإبداعية. وسواء كان الأمر متعلقا بنص شعري أم نثريّ.

ثمة ضعف وسذاجة لا يحتملان. ثمة هبوط في مستوى الوعي والابتكار والتجديد، فتسود النصوص ما دون العادية، وتطغى ذائقة شائهة تنهل من الرداءة والاستسهال، ولا فرق في ذلك بين نصوص موزونة ومقفاة، وبين نصوص نثرية يجري تصنيفها في باب قصيدة النثر، فيختلط حابل الأدب بنابله بالنسبة للكثيرين، شكلا ومضمونا، مع أن هذين العنصرين لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

وفي باب قصيدة النثر يكثر التجني على اللغة والإبداع معا، فيصبح كل نص خالٍ من الوزن نصا إبداعيا، أو هذا ما يعتقده كاتبه وأصدقاء كاتبه الذين يغدقون عليه الأوصاف، وتغدو كل عبارة "عجيبة" شعرا منثورا، أو نثرا شعريا (الرحمة للتوحيدي)، وتغدو الشتائم والغرائب الساذجة شعرا جريئا لا يُجارى.

ليست قصيدة النثر هي المسؤولة عن هذا الفساد في الذائقة، والهبوط في الوعي، بل من يستسهلون كتابة هذه القصيدة التي أعتقد أن النجاح في كتابتها أصعب من النجاح في كتابة قصيدة التفعيلة أو القصيدة الخليلية.

فليست كلُّ خاطرة، مع الاحترام لهذا الجنس الأدبي، قصيدةَ نثر، فضلا عن أن تكون الخاطرة البائسة أدبا.

صحيح أن ليست لقصيدة النثر قواعد وقوانين صارمة، لكن الذائقة السليمة تستطيع التمييز بين الغث والثمين. وهنا تبرز مشكلة الذائقة، والمعيار الفني، وكيف يمكن التمييز بين النص الراقي، بلغته وأفكاره (محتواه)، وبين نص لا يقدم لقارئه سوى الثرثرة والغثاثة، حسب مصطلح أستاذنا الراحل يوسف سامي اليوسف.

أعرف أن هذا الحديث لا يعني، بل لا يروق سوى فئة قليلة من "جماهير" الفيسبوك العتيد، وهذه هي الفئة المستهدفة، لكي نضع معايير رصينة للتعامل مع ما نقرأ في هذا الفضاء، حفاظا على الحد الأدنى من الذائقة في الكتابة وفي التلقي. وهذا ما علينا استكماله في نقاشات قادمة.

14