شعراء المهجر أهم من استلهموا الصوفية

الناقد المغربي محمد المسعودي: معاناة الناقد لا يمكن إنكارها.
الاثنين 2021/01/11
الكتابة الشذرية أفق لتجديد الأدب

يشكل المشهد الثقافي والإبداعي في المغرب، بثراء عطاءاته وتجلياته في مختلف مجالات الثقافة والفكر والإبداع، حضورا قويا على المستوى العربي، حيث نجد الكثير من الأدباء المغاربة يجمعون بين كتابة الأدب والنقد، ما يوفر لهم رؤية أكثر شمولية، على غرار الناقد والكاتب المغربي محمد المسعودي. “العرب” كان لها هذا الحوار معه للتعرف على جانب من مسيرته ورؤاه وأفكاره النقدية والثقافية.

محمد المسعودي يجمع بين النقد الشعري والسردي للقصة والرواية والكتابات التراثية وأخيرا أدب الرحلة، هذا فضلا عن كونه شاعرا وقاصا ومتابعا يتمتع بحضور فاعل ومؤثر داخل الحراك الثقافي، وقد فاز أخيرا بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة ـ فرع الدراسات عن كتابه “الرحلة ما بعد الكولونيالية ـ دراسة في يوميات رحالة عرب معاصرين”.

ومن مؤلفات المسعودي المهمة نذكر “اشتعال الذات: سمات التصوير الصوفي في كتاب الإشارات الإلهية” لأبي حيان التوحيدي، و”فتنة التأويل: في قراءة متخيل الرواية العربية الجديدة”، “الكتابة الشذرية في الأدب المغربي الحديث.. نماذج ومشارب”، حيث تنوعت مباحثه، ما وفر له رؤية بانورامية للثقافة المغربية.

في البداية يوضح المسعودي أن المرتكزات النقدية الرئيسة، التي انطلقت منها مسيرته القرائية للأدب في أشكاله وأنواعه العديدة شعرا وقصة ورواية ورحلة وتصوفا، تمحورت حول تصور واحد يعدّ بؤرة العملية النقدية: قراءة النص الأدبي واعتباره منطلقا واحدا وجوهريا لعملية الفهم والتأويل، ومن هنا تبقى المناهج المتوسل بها في المقاربة لاحقة على النص وأداة لإغناء مقاصده وتجليتها للمتلقي، والكشف عن جمالياته الفنية ورؤاه الإبداعية.

ولعل هذه الاستراتيجية اكتسبها المسعودي بعد تمرس طويل في قراءة الإبداع الأدبي، وبعد عشق كبير للأدب، ومحبة لا تُضاهى للغة العربية منذ شغف بقراءة الأدب في طفولته، كما كان للدراسة الجامعية دور في تشكيل رؤيته وترسيخ بعض معالمها بفضل ما تمثلته من احتكاكه بأستاذه الراحل محمد أنقار، وبالاطلاع على النقد العربي والغربي. هذا فضلا عن الانفتاح على العلوم الإنسانية والشغف بها.

ويقول المسعودي “لعل كل هذه العوامل هي التي جعلت المرتكزات الأساس للعملية النقدية عندي، تتمثل في الانفتاح على كل ما قد يساعد على قراءة النص ومحاولة فهم مقاصده وكشف أبعاده ورؤاه الدلالية وخصائصه الفنية. ومن الصعب على الناقد أن يحدد مرتكزاته بدقة، لأن انشغاله بالإبداع وبغنى الأشكال الأدبية يجعل هذه المرتكزات غير ثابتة، بل تخضع للتطور والتشكل حسب ما يقتضيه النص الذي يشتغل به، وحسب الأسئلة التي يطرحها النص، وما يزخر به من إمكانات فنية ورؤى ودلالات”.

عمل فاز بجائزة ابن بطوطة
عمل فاز بجائزة ابن بطوطة

مشهد متنوع

حول الفروق الأساسية التي خلص إليها في دراسته الفائزة بجائزة ابن بطوطة “الرحلة ما بعد الكولونيالية”، من حيث الرؤية والكتابة التي تكشفت له في نصوص الرحالة العرب المعاصرين ووجه المقارنة بينهم وبين الرحالة القدامى، يقول المسعودي “تختلف نصوص الرحالة المعاصرين من حيث الرؤية وصيغ الكتابة حسب مجال انشغال كل واحد منهم واهتماماته الفكرية والأدبية، ورؤيته الفنية وحساسيته الجمالية. ولكن هناك قسمات مشتركة تجمع هذه الرحلات، حسب ما انتهيتُ إليه في اشتغالي بموضوع ‘الرحلة ما بعد الكولونيالية‘. فقد توفرت هذه الرحلات المشتغل بها على مواقف ورؤى تنبئ عن وعي بمدى ما تعانيه الأمة العربية، وما تعانيه الشعوب في كافة أرجاء الأرض من أثر الاستعمار ومخلفاته”.

ومن هنا كان شجب بعض الظواهر السلبية والتنبيه إليها، وكان نقد ممارسات بعض الدول القوية “التي ما تزال تسلك سلوك الاستعمار”، وكان الالتفات إلى مشكلات الشعوب المستضعفة، والاهتمام بالثقافات الأخرى غير الأوروبية إعلانا عن رؤية ما بعد كولونيالية ثاوية بين طيات هذه الرحلات، وبالتالي كانت هذه الإشارات الطفيفة، أو التصريحات الواضحة منطلقنا لدراسة هذه الأعمال، ومن ثم الوقوف عند أهم قضايا ما أسميناه “الرحلة ما بعد الكولونيالية”، وأبرز خصائصها الفنية.

ويضيف المسعودي “ثم إن هذه الرحلات جميعا صاغها مبدعون ذاقوا مرارة المنفى، وعاشوا بعيدا عن أوطانهم أو عاشوا متنقلين ما بين وطنهم الأصل وبلاد الغرب للتدريس أو العمل، ما عدا قلة منهم لم تعرف هذه الوضعية، ومن ثم كان من الطبيعي أن تكون كتابتهم الرحلية تعتني بسؤال الأنا والآخر، وبإشكالية الهوية الحضارية، وخصوصية الأنا في علاقتها بثقافة الغير. وغيرها من القضايا التي يتناولها الأدب والفكر في زمن ما بعد الكولونيالية. وبالمقارنة بين هذه الرحلات والرحلات القديمة نرى اختلافا جوهريا، إذ أن هذه الرحلات تميل إلى الاستفادة من فنون الأدب الحديثة، وتجنح نحو سردية روائية بينة، أو توظيف شعري يشكل رؤيتها الجديدة الرافضة لما يجري الآن. وأكيد أنها تختلف من حيث الرؤية ومن حيث الأداء كثيرا عما ألفناه في الرحلة التراثية ‘القديمة’، وعما كتب خلال عهود الاستعمار من رحلات عربية”.

ويرى المسعودي أن القصة القصيرة بالمغرب تشهد حضورا قويا، وتغتني يوما عن يوم بأصوات جديدة تضاف إلى الأصوات الراسخة في المشهد الثقافي، وتتنوع الحساسيات والاتجاهات القصصية بهذا المشهد بحيث نلفي كتابا ينتصرون للاتجاه الواقعي وينطلقون من سماته في كتابة القصة، ومنهم من نحا نحو الفانتاستيك أو الواقعية السحرية أو التعبيرية لصياغة نصوصه الإبداعية. كما أن القصة وباعتبارها فنا يتميز بالدينامية والانفتاح، ولا قواعد ثابتة له، يفسح المجال للتجريب القصصي. وعلى الرغم من أن الرواية ذات حضور قوي في المشهد الثقافي العربي العام، إلا أنه يمكن القول إن القصة القصيرة في المشهد المغربي أكثر حضورا وقوة.

المناهج المتوسّل بها في المقاربة النقدية لاحقة على النص وهي أداة لإغناء مقاصده وكشف جمالياته للمتلقي

ويضيف “لقد كانت مختلف المدن المغربية ـقبل انتشار كوفيد – 19 وتحجيمه للحركة وتغييره لواقع الحياةـ تشهد مهرجانات ولقاءات كثيرة للقصة وللقصة القصيرة جد، في جنوب المغرب وشرقه وشماله ووسطه وجنوبه. وكانت هذه اللقاءات تغني التجارب الكتابية وتسهم في بلورة رؤى حول القصة في الندوات التي تعقد حول هذا الفن الجميل والممتع”.

ويؤكد المسعودي أن كتابة قصيدة النثر تطغى على المشهد الشعري المغربي المعاصر، وهو الفن الذي أصبح المتن المهيمن في الصحافة الأدبية وفي المواقع الإلكترونية. غير أن هذا المشهد ما يزال يعرف، أيضا، حضورا بينا لقصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، فضلا عن أشكال مختلفة من الزجل الذي يصاغ بالدارجة (العامية) المغربية القريبة من العربية الفصحى، أو باللهجات الأمازيغية، والحسانية الصحراوية.

 ولعل هذا التنوع في المشهد الشعري يجعله يتميز بالحيوية والحركية. وتعدد الأشكال الإبداعية والفنية. ويبدو أن قصيدة النثر تستجيب لهواجس الأجيال الجديدة منذ ثمانينات القرن الماضي جماليا، ومن ثم كان لها الحضور الطاغي في النشر والعناية في اللقاءات والمهرجانات الشعرية.

اشتغال نقدي

من أهم أعماله
من أهم أعماله

من بين الكتب المهمة التي قدمها المسعودي كتاب “الكتابة الشذرية في الأدب المغربي الحديث”، وهنا يوضح ما عناه بالكتابة الشذرية وأبرز ما خلص إليه وأبرز الأسماء التي تكتب هذا النوع، يقول “قصدت بالكتابة الشذرية نوعا من النصوص المكثفة القصيرة التي تصاغ نثرا أو شعرا وتتميز بالنفس التأملي العميق، والانشغال بالقصد الدلالي المتعدد في حمل رؤية مبدعها. وهذا النوع من الكتابة صار يستقطب الشعر والنثر على حدّ السواء، مع مبدعين ينتمون إلى أجيال مختلفة. وهذا النوع الأدبي بدأ في المغرب مع محمد الصباغ وإدريس الجاي في خمسينات القرن العشرين، لكنه استعاد عنفوانه مع الأدباء الجدد الذين اهتموا به، وصاغوا تجاربهم في سياقه بدءا من التسعينات، وازداد غنى وتنوعا في الألفية الثالثة”.

ويضيف “أبرز ما انتهت إليه هذه الدراسة من خلال قراءة متن هام من متون هذا النوع الأدبي، أن الكتابة الشذرية تنزع نحو تجديد الكتابة الأدبية ومنحها أفقا جديدا للاشتغال الذي يضفر الرؤى الفلسفية التأملية بأنساغ البلاغة الشعرية، أو الحمولة الأدبية التي تنحاز إلى الإشارة والتلميح والتكثيف. ومن يلقي نظرة على هذه الكتابة يرى أنها تتشرب منابع متنوعة لتشكيل عوالمها التخييلية ومقاصدها وأبعادها الدلالية والترميزية. والأسماء التي تبدع في هذا النوع الأدبي بالمغرب كثيرة”، غير أن الكتاب وقف عند تجارب محمد الصباغ وأحمد بركات وعبدالحميد بنداود (رحمهم الله) وعبدالسلام الطويل وخالد سليكي وأسعد البازي وإيمان الخطابي وأحمد لوغليمي ومحمد الصالحي وأحمد الدمناتي ومصطفى قشنيني.. وبالطبع هناك أسماء أخرى تكتب الشذرة غير الأسماء التي اشتغل عليها الكتاب لها حضور وازن في المشهد الثقافي المغربي.

يرى المسعودي أن “الاشتغال بالتراث الصوفي في التجربة الشعرية والسردية العربية الحديثة ما يزال خجولا وضئيلا، وما تم استثماره فيها استجاب لرؤى بعض المبدعين الفنية أو الأيديولوجية الفردية، ومن أفق محدود تمثل في استثمار بعض الشخصيات الصوفية في الشعر أو السرد لحمل دلالات معينة، أما استثمار جوهر الخطاب الصوفي وغناه في العملية الإبداعية، وتشرب روحانيته، وتوظيف أبعاده الهائلة في الإشارة والإلماح والقدرة على توليد الدلالات والظلال البعيدة فما تزال قاصرة”.

ويلفت إلى أن قراءة الأدب العالمي، وخاصة الأدبين الهندي والياباني، تبين درجة الاستفادة من التراث الصوفي في الديانات الهندوسية والبوذية والشنتوية، حيث تمثله الأدباء وانتصروا به لقيم روحية وتمثلات صوفية واسعة الدلالة. أما في أدبنا العربي فنادرا ما يفلح المبدع في تشرب روح التصوف وتمثّلها في إبداعه الأدبي. وحسب وجهة نظره كانت محاولة جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وبعض شعراء المهجر أهم محاولة في استلهام تراثنا الصوفي العربي مع تطعيمه بمؤثرات ثقافات أخرى.

ويشير المسعودي إلى أن معاناة الناقد حقيقة قائمة لا يمكن إنكارها، خاصة أن المطابع وتطور وسائل الاتصال الحديثة جعلت الساحة تزخر بنصوص من شتى الأشكال والألوان. وفي رأيه إن هذه الحركة بقدر ما هي مهمة ودالة على الحيوية، بقدر ما تجعل مهمة الناقد شديدة الصعوبة لأنه يهتدي بشق الأنفس إلى الإبداع الأصيل والراقي.

ويتابع “إن نسبة هامة مما ينشر ـ للأسف الشديدـ يتميز بالضحالة والإسفاف وضعف اللغة وغياب رؤية فنية وإبداعية لصاحبه. وهذا ما يجعل الناقد من جهة غير قادر على المواكبة، ونافرا من مواكبة ما ينشر من جهة أخرى، لأنه يعلم أن أصحاب هذه الإصدارات لا ينتجون نصوصا تتوفر على الحدود الدنيا التي يتطلبها هذا الفن الأدبي أو ذاك، هذا فضلا عن أن النقد الأدبي العربي بدوره، يعاني من تخبط واضح بسبب كثرة المناهج الغربية الوافدة التي يسعى إلى تمثلها واستثمار نتائجها في تطبيقاته دون أن يتمكن من خلق نظرياته الخاصة الأصيلة”.

قراءة الأدب العالمي، وخاصة الأدبين الهندي والياباني، تبين درجة الاستفادة من التراث الصوفي في الديانات الهندوسية والبوذية والشنتوية

لكن هذا الواقع القائم لا يعدم، في رأي المسعودي، أن نجد ضمنه نقادا يجتهدون ما أمكن لتقديم الجيد إلى المتلقي، وتمثل المناهج الغربية ومحاورتها، وتطويرها بما يخدم مقاصدهم النقدية، وبما يستجيب لخصوصيات الإبداع العربي قصة وشعرا ورواية ومسرحا.. ويقول “حسب وجهة نظري، فإن النقد العربي على الرغم من مآزقه العديدة، فإن هناك نقادا مبدعين لا يبخلون على القارئ والإبداع بجهودهم ورؤاهم الحصيفة”.

ويلفت إلى أن انتشار وباء كورونا كان له أثر فادح على الحراك الثقافي بالمغرب، مثلما حصل في العديد من بلاد العالم، بحيث إن هذه الحركة شلت تقريبا.. فالدخول في الحجر الصحي عطل الندوات واللقاءات الثقافية، كما شل توزيع الكتب والمجلات والصحف، وتوقفت المطابع ودور النشر تقريبا، عن إصدار الجديد.. وفي الشهور الثلاثة الأخيرة بدأت الحركة تدب في المشهد الثقافي نسبيا.. ونطلب من الله أن يرفع البلاء عن الناس أجمعين لتعود الأمور إلى طبيعتها وفي شتى المناحي.

15