شعراء بلا منبر تجمعهم مختارات دمشقية

الأربعاء 2014/02/05
"كريستال طائش" قصائد ترسم صور الحياة من خلال شبح الموت

دمشق- الموت العشوائي يحكم مدينة دمشق والقذائف فيها عبثية السقوط كحبات المطر، في ظل هذا الجو المشحون بالأشلاء وأوصال المدينة المقطعة تأسس “ثلاثاء شعر” في أبريل 2013، كمختبر شعري يضمّ مجموعة من الشعراء الشباب . وبعد تنامي التجربة أسس زيد قطريب، لـ”ثلاثاء الشعر” والقائم على اللقاء، دار “سرجون للنشر والثقافة والفنون” التي افتتحت أنشطتها بطباعة ديوان “كريستال طائش”.

الشعراء في الديوان هم مجموعة من الشباب الذين ليس لهم منبر، من المغمورين وغير المكرسين في المشهد السوري على حدّ تعبير قطريب. ويذكر الأخير أن معنى الطيش في عنوان الديوان هو “اختصار لشخصية خمسة شعراء مختلفين في سبيل التجريب للوصول إلى نص يترك بصمة في المشهد الشعري السوري”.


ولد مشاغب


القسم الأول من الديوان المشترك بعنوان “أريد أن أكون ولدا مشاغبا” للشاعر معاذ زمريق، ويطغى على قصائده الحدث اليومي المتمثل في الموت، فهو نسق خفي يحكمها، بالرغم من عدم نضوج الصورة الشعرية إلا أن الشاعر محكوم، “بجرح بسيط/ لا يكف عن ترديد رائحة الجثث”، حيث يحاول الانتقال مما هو يومي/ حاضر إلى ما هو ورائي/ غائب.. وفي نصه “سأقبلك قبل أن تنتهي الحرب” يبوح الشاعر لنفسه ويلقيها عارية حيث يعترف شعريا بأن بلاده حرمته من أبسط حقوقه كإنسان/ عاشق، ألا وهو قبلة من حبيبته، كما يحاول زمريق التعبير عن القرف والنزق فيقول: “أودّ لو أقتلع رأسي مثلا/ وأضع مكانه حذاء”، يلجأ الشاعر هنا إلى الاستهلاكي واليومي من التعابير التي قد تبتعد عن عضوية النص فتشط عن شعريته أحيانا ويلجأ إلى تفكيك الصورة لتكوين عالم جديد ذي صيغ جمالية ليست مألوفة، ونراه يقترب أحيانا من شعرية “رياض صالح الحسين” في تحسس التفاصيل وبساطة السرد في محاولة منه لإيجاد صوته المتفرّد. رثاء لـ”مياس" أو “مرثية شمس" يفتتح فيها الشاعر أحمد علاءالدين قسمه الخاص في الديوان مازجا شعر التفعيلة بالنثر في بعض الأحيان، ويعتمد على تغيير شكل القصيدة والتلاعب بعلامات الترقيم ليحيل إلى نصوص أخرى سواء بالاقتباسات أو بأسلوب الحوار ضمن النص الواحد، علاءالدين يضيع في مفارقات مجازية ليتحدّى فيها اللغة وحدودها ويخفي وراءها شبقا يصرّح به مجازيا، وغنائية تجاه الحبيبة أو الوطن حيث يقول: “حزن تحت الموت النّاطف/ هل رأيت وطنك/ إذا طاب/ وأزهر؟”.

زيد قطريب يجمع شعراء مغمورين يتنفسون الحياة والأمل


الأنثى الغائبة


الشاعر أحمد ودعة يعنون قسمه بـ”الموت يكره السكّر” ففي البداية يستدعي الأنثى/ الغياب، عبر التركيز على تفاصيل المكان ليحاول الوصول إلى البنية الشعرية المتماسكة. لكن في عدة أماكن يطغى السطحي وقد يصل حدّ الابتذال في محاولات للشطح، فهو لم يستطع التأسيس للغته الخاصة فكأنها -اللغة كبنية سابقة على الوجود- قيد يكبله ولم يتمكن بعد من ترويضها. جوزيف حداد و”عيناي مبكى التمساح” عنوان لمجموعة قصائد تمثل حالة الشاعر ووقوفه في -نقطة اللاحسم- بين موقفين، الموت والموت/الحياة، يعبر عن ذلك بقوله: “قد أقتل رميا بالرصاص أو أسرق مركبة فضائية”، حتى علاقته مع المرأة متأزمة فالعديد من الجدران تقف بينه وبينها سواء التي بناها هو أمام نفسه أم تلك التي فرضتها الظروف في سوريا، كل هذا يجد لنفسه معادلات شعرية فيقول: “الهلوسة تحاكي تجاعيد دماغي/ وبضع نبض يفرّ من فؤادي.. كآبدة قبر كتب أعلاها/ ضحية من مجزرة اللجوء”.


أبجدية الموت


يُختتم الديوان بمجموعة قصائد للشاعر أحمد سبيناتي “وهج نار” التي تنفتح بقصيدة عنوانها “أبجدية الموت” يحاول فيها أن يجسد الموت ويخاطبه، لكن عدم اتضاح موقف الشاعر من الموت، جعله يبتعد عن المقصد الشعري، فمحاولة اختيار الأسئلة البسيطة للوصول إلى شعرية اليومي لم تكن بالعمق الكافي مجازيا، لكنه يحاول في قصيدة أخرى بعنوان “سيناريو حزين في ليلة حزينة” أن يجعل العلاقة أكثر شخصية مع هذا الموت، علاقة مليئة بالتشفي فيقول “كم جميل أن يموت الموت بقذيفة/ ونبقى نحن” في حين يحاول لاحقا استدعاء طيف امرأة غائبة أحيانا وحاضرة أحيانا أخرى فيلجأ إلى صور قد تكون مطروقة سابقا مما أبعدها عن الأصالة كـ”الشَعر الغجري.. جمر حلمات.. شاعرا طفلا.. جسد يلتف بالياسمين”.

14