شعراء بورخيس الآليون

الخميس 2015/08/27

إنها الاستعارة، شيطانة اللغة، حاجز الدفاع الأخير ضد انتهاك الآدميّ، وتجريده من الإنسانيّ فيه. متراسه ضدّ “حيونته”، وتعليبه، واختزاله في رقاقة صغيرة؛ حين يفقد البشر قدرتهم على الاستعارة والمجاز، فإنهم يفقدون مشاعرهم، ويصبحون أيّ شيء آخر، في هذه الطبيعة المتوحشة، الكاسرة. فهل تنجح المختبرات العلميّة في “أنسنة” الآلة؟ وهل تنجح في تحويل المضمر والباطن والخفيّ والمستتر إلى واصفات بيانية، أو ميتاداتا، تتعلّق بصور معيّنة، تكون قادرة على تعليم الإنسان الآليّ نظم الشعر على شاكلة البشر؟

هذا ما يطرحه موقع (Poetry for Robots)، الذي أطلقه مركز العلوم والمخيّلة بجامعة ولاية أريزونا الأميركيّة، رفقة مختبرات (Neologic) ومركز تطوير البرامج (WebVisions). منطلقين من احتماليّة برمجة الإنسان الآليّ بطبيعة “الشعريّ” الخاصة باللغة البشرية، أنشأ القائمون على البرنامج بنك صور يضمّ مئة وعشرين صورة، وفق الاستعارات الأكثر شيوعا في القول الشعريّ وطرائق نظمه، ثم طلبوا من المهتمّين الضغط على أيّ من الصور، وكتابة قصيدة تتعلق بها أو مستلهمة منها. ثم، وفي مرحلة لاحقة، وعندما نبحث في قاعدة البيانات، سوف نعرف إن كان الإنسان الآليّ قد تعلّم كيف نرى -نحن البشر- العالَم، وكيف نصفه، وكيف نشعر حياله.

ولم تكن هذه الفكرة الحالمة مجرّد فكرة خيالية قفزت فجأة إلى ذهن التكنولوجيّين، بل هي محاولة لتجسيد ما حدس به الشاعر الأرجنتينيّ خورخي لويس بورخيس في محاضرة عن “الاستعارة” ألقاها في جامعة هارفارد، ضمن سلسلة محاضرات نورتن (1967-1968)، والتي صدرت لاحقا في كتاب بعنوان “صنعة الشعر”.

تحدث بورخيس عن أهمية الاستعارة واحتماليّاتها غير المحدودة في اللغة، ثم قال إنه، وعلى الرغم من هذه الاحتماليّات اللامتناهية، بالنسبة إلى الشعر، فإنّ أنماطا ملحوظة وبيّنة من الاستعارات لم تكفّ عن الظهور والنشوء، منذ بدء القول الشعري، وكان مثاله المفضل على ذلك المعادل الاستعاريّ للنجوم والعيون.

وكان بورخيس قد انطلق في الحديث عن الاحتماليات غير المحدودة للاستعارة، مستلهما مثال “الآلاف العشرة”، وهو “المجاز″ الذي أطلقه قدماء الصينيّين على العالَم؛ فهو، عندهم: “أشياء الآلاف العشرة”، أو “كائنات الآلاف العشرة”. فلو أخذنا الرقم “عشرة آلاف”، كرقم قاعديّ ننطلق منه، فإنّ “الاحتماليّات اللامتناهية” لأيّ استعارة، سوف تكون “عشرة آلاف” مضروبة في (9999) مضروبة في (9998)، وهكذا دواليك…

هنا، لا تكون الاستعارة “مجرّد مصطلح أدبيّ”، مثلما لم يسبق لها أن كانت كذلك، وفق مقولة ماري روفل، وإنما تصبح “حدثا” لا متناهي الوجود. حدثا يتداخل فيه “نسيج الوشائج العقليّة معا”، فتصبح الاستعارة، حسب عالم الأحياء والأنثروبولوجي غريغوري باتيسون، مسألة “حياة” في المقام الأول، وفي صلب كينونتها.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يتعامل فيها التكنولوجيّون الحالمون مع “السمات الأسطوريّة” لبعض أفكار بورخيس. فقد كانت فكرة تحويل “مكتبة بابل” إلى حقيقة مرئيّة، أول محاولة تقنيّة لوضع “حدوسه الفلسفيّة” موضع التجربة.

ففي قصته “مكتبة بابل”، والتي نشرها عام 1941، تخيّل بورخيس مكتبة تتكون من حجرات سداسيّة الأضلاع مرصوفة برفوف من الكتب. كل رفّ يضمّ خمسة وثلاثين كتابا في نسق متماثل، وكل كتاب يتكوّن من 410 صفحات، وكل صفحة تتكوّن من أربعين سطرا، وكل سطر يتكوّن من ثمانين حرفا مكتوبا بلون أسود. وكل كتاب، من هذه الكتب، مكوّن وفق تركيبة مختلفة من الأحرف، وفي المحصل تكون جميع الكتب قد حوت كافة تراكيب الأحرف المحتملة، وفي النهاية تكون المكتبة محتوية على كل شيء.

نالت تلك الرؤية البورخيسيّة اهتمام المؤلف والمبرمج الإلكتروني جوناثان باسيل، فقال إنّ فكرة إنشاء “مكتبة بابل” متاحة على الإنترنت وقد خطرت بباله وهو مستلق في السرير ذات ليلة، فظنّ بأنها موجودة بالفعل، فهي تبدو كأنها امتداد طبيعيّ لقدرات الحاسوب، والتي لا بدّ أن أحدا ما كان قد فعلها من قبل. ولكنّ رجاءه خاب حين بحث في اليوم التالي عن تجسيد ماديّ للفكرة، فلم يعثر عليه. أصبحت “مكتبة بابل”، منذ تلك اللحظة، قدرا مترددا بالنسبة إلى جوناثان باسيل، حتى تحقق ذلك القدر، فأتيحت، بحماسته اللامتناهية، المكتبة على الإنترنت، فضمّت نصّ كل كتاب محتمل يتكوّن من 410 صفحات.

“فإلى أيّ مدى يظل المعنى في العالم الماديّ، وإلى أيّ مدى يظل عالقا في عقولنا”؟

كاتب من الأردن

14