شعراء روائيون

الاثنين 2013/09/30

من اللافتِ في العقد الأخير، وبملاحظة خارطة النشر العربي، ارتفاعُ منسوب الإنتاج الروائي، بما يؤدّي إلى الاعتراف بهذه الظاهرة، والإقرار بأنّ هناك اندفاعاً محموماً نحو الكتابة الروائية وإنتاجها بغزارة بطريقة تثير الانتباه والتساؤل، إذْ نجد أنّ بعض المناطق التي اعتبرت في وقتٍ ما "متصحّرة روائيّاً" حضرت بقوّة في المشهد الروائي إنْ في جهة الإنتاج أو في جهة التقدّم إلى اعتلاء منصّة الجوائز.

لا يهمّ الآن قراءة هذه الظاهرة تحت أي لافتة نقديّة تحلّل بـ"عصر الرواية" أو التحولات المجتمعية الهائلة ومعها السياسية والاقتصادية في العقديْن الأخيرين.. أو الصدى المباشر لانفتاح الفضاء الإنساني والمعرفي بشكلٍ غير مسبوق أحدثَ تصدّعاً في هيمنة الرقيب في وجهه الخارجي الذي يمثّل السلطة أو في وجهه الداخلي الذي يجسّد الامتثال لما هو من الأعراف والتقاليد والمسكوت عنه الذي يحسن الابتعاد عنه غيرَ أن الصوت الجديد بنداء الحريّة اكتسحَ الرقيب بوجهيه الداخلي والخارجي، وشاهدنا الأعمال الروائية تترى، وتطغى على ما سواها من منتج إبداعي أو غيره. هنا يتدخّل الحسُّ الاستهلاكي والتسويقي في تضخيم الظاهرة وإبلاغها مدى من المجانيّة والجرأة ـ دون رفّة جفن، وقبلَ ذلك دون أدوات ـ فاختلط الحابل بالنابل حتّى قرأنا أعمالاً روائية؛ كل صفحاتها عامرةً بالأخطاء والخطايا؛ فنيّةً ولغويّة.

وقد انخرط بعض الشعراء في الكتابة الروائية، إذا ما أعرضْنا عن ركوب الموجة والتقليد والاستجابة إلى رغوة التسويق، فإن ذلك يصدر عن تاريخ في الكتابة وخبرة بأساليبها وطرقها، بل الريادة في نوعٍ منها وأعني الريادة بمؤدّاها الفني مثل الرواية الفانتاستيكية التي برعَ فيها الشاعر الكردي السوري سليم بركات، حيث ارتادَ مساحاتٍ بِكْرا في هذا المجال تعضّده مخيّلة عامرةٌ تعكس روحَ المكان وشخصيّاتِهِ وحيواناتِه وأشياءَه.

وثمّة شعراء آخرون ذهبوا إلى الرواية لأن نصوصهم الشعريّة ابتداءً لا تخضع للتوصيف أو القالبِ المعروف للشعر. ثمّة إمكاناتٌ خارج الحقل الشعري تسرّبت إلى تلك النصوص قادمةً من حقولٍ أخرى.

الأمر الذي لا نتعجّبُ معه أن أخذوا طريقهم إلى الرواية مثل عبّاس بيضون أو أمجد ناصر أو حسن نجمي أو عبدالله ثابت أو علاء خالد. ونحن، عندما أطالع عملاً روائيّا ينبغي ألا تشغلنا هويّة الكاتب و"صحيفة سوابقه!!" الكتابيّة. ما يهمّنا هو "المكتوب" نفسه:

هل يملك المقوّمات الفنيّة للمكوث والبقاء؟

هل يتوفّر على إمكانيّة الصوغ وتحويل الحدث الخام ومتن الحكاية إلى مبنى روائي حقيقي؟

هذا هو الرهان الذي نحتكم إليه.

__________


* شاعر وناقد من السعودية

14