شعراء صغار

الاثنين 2014/02/10

قبل فترة غير بعيدة بكى الوسط الثقافي نهاية مؤلمة للشاعر والتشكيلي السوداني الراحل محمد حسين بهنس الذي مات من الجوع والبرد على أرصفة شوارع القاهرة. كثيرون غيري لم يكونوا قد سمعوا به قبل هذا التاريخ. لكن من المؤكد أن فئة من المثقفين كانت على علم بحاله، مع هذا فلم يتباك على حاله أحد قبل وفاته.

في مناغوا، اعتدت على مشاهدة المشردين الذين تساعدهم درجات الحرارة المرتفعة طوال العام ألا يموتوا من البرد. أشهرهم على الإطلاق الشاعر خوليو كابرالس (1944) الذي يقيم منذ سنين طويلة في الشارع مذ أصيب عقله بلوثة إثر موت عائلته واحدا إثر الآخر. هو شاعر من جيل الستينيات وقد ترك شعره بصمة في الشعر النيكاراغوي الحديث، وابن شاعر أيضا ينتمي للحركة الطلائعية الأدبية.

كانت البداية، موت والده في زلزال مناغوا 1972، ثم أخاه الأكبر بعد فترة قصيرة. أصيب هو وأخاه الأصغر بلوثة لكنهما كانا يعيشان مع والدتهما في المنزل العائلي حتى وفاة الأم التي بقيت جثتها في المنزل لمدة ثلاثة أيام، جعلت الجيران يشتكون من الرائحة العفنة المنبعثة من منزلهم. أسرعت الجهات المختصة لذلك المكان ليخرج الشاعر للناس مطالبا إياهم باخفاض أصواتهم فالأم ترقد بسلام في الداخل، تنام منذ ثلاثة أيام وهو يرفض أن يوقظها. مضى هائما على وجهه منذ ذلك الوقت وحتى الآن لا يبرح الشارع الذي أصبح وطنه ومنزله.

الكتاب والمثقفون من جيله ومن الجيل الشاب لم يحركوا ساكنا أمام تلك الحالة التي تأقلمت مع ذاتها وغاب وعيها عن العالم الواقعي. فلم تمنعه اقامته في الشارع من أن يكتب عنه الكثيرون ومن أن نقرأ مقالات بعناوين مختلفة ك”شاعر الشارع″ أو “أجمل مشردي مناغوا” أو “الشاعر الطفل” في ملاحق الصحف الثقافية. ليس هذا فحسب، بل لقد قامت إحدى المجلات التي يشرف عليها شعراء من الجيل الشاب باعداد ملحق خاص عن شعره وحياته في أحد الأعداد تحت عنوان “الخيط الأزرق”. كما قامت رابطة الكتاب النيكاراغويين باعداد فيلم قصير عنه واصدار طبعة جديدة من ديوانه الوحيد (قطار بطيء) الذي صدر عام 1975، وتخصيص ريعه لمساعدة الشاعر، عدا عن الرسائل التي وجهت في مختلف الصحف تناشد الحكومة اكرامه حيا بادخاله مشفى للأمراض العقلية. ليس على الشاعر اذا أن يموت كي نلتفت له، ليس عليه أن يغادرنا كي تستفيق قرائح مجايليه وزملائه فيخطون في عزائه كلمات الرثاء والعويل، بينما كانوا متناسين ما آل إليه في حياته.

لم تكن حالة بهنس فريدة من نوعها، فالوسط الثقافي طافح بالمقهورين والمهملين الذين غادروا الحياة منسيين ثم تذكروهم في قبورهم، إنما الجديد أن تمتلئ مخيمات اللاجئين السوريين المتبعثرة على حدود الدول بالشعراء. إنهم أطفال المخيمات الذين يموتون جوعا وبردا كل شتاء على قارعات الطريق. هؤلاء هم الشعراء الحقيقيون، الشعراء الصغار.


كاتبة من فلسطين مقيمة في ماناغوا

15