شعراء موتى وآخرون يقارعون الموت

الأحد 2014/06/01
إن عدم القدرة على المشاركة والحوار والإقرار بوجود الآخر المختلف في الثقافة العربية، لهو ضرب من التلوث بالذات ووقوع في شرك فرادتها القاتلة، وهو من عوارض ثقافة الاستبداد

في ظلّ غياب نقد راء يسهل علينا نحن الشعراء أن ندّعي ما نشاء، من دون أن يحاسبنا أحد بدقة على ما نقول أو نرى في شعرنا. لكن في ظل غياب قراءات عميقة وموضوعية للشعر، تصبح أرض الشعر وسماؤه عماء لغوياً، وبحره ماء متلاطما في ظلمة. الشعراء يجددون اللغة، لكن القراءة تصنع الذائقة وتنجز المعيار.

منذ وقت مبكر بدأت تتضح لي أهمية أن ينمّي الشاعر في سلوكه الشعري ميولا تأملية تتيح له الانشغال بالماورائيات التي تمنحنا إياها رؤية الأشياء المرئية، من دون أن يفضي ذلك إلى علاقة باللغة تكبح الميل الرومنطيقي أو النوازع الشعورية المشتبكة مع الوقائع الإنسانية كثيرة التناقض. إن أكثر ما يغبطني في تأمل العالم اليومي، عبر الشعر، هو تلك الطريقة التي تتيح للشاعر مساحة أكبر لعمل اللاشعور في العلاقة مع اللغة، إلى درجة يصعب معها تخليص خيوط القصيدة (لغة، وموضوعا، وتراكيب، وعلاقات جمالية، وتطلعات، وأفكارا) من نسيج شعوري يسري في اللغة حيا دافقا، متحركا أبدا، بحرية قصوى، وفاعلا في حواس القصيدة.

ليس في وسعي تخيّل قصيدة لا تتعدد أبعادها، فالقصيدة أشبه ما تكون بالكائن الحي لها جسد فيه قلب وكذلك دماغ يعملان ويمنحان كينونتها أفقاً يتعدى بنيتها وشكلها وإهابها اللغوي. ولعل القصيدة التي بلا فكر هي تلك التي لا نعثر في جسدها على هذا الدماغ. ربما تكون قصيدة رشيقة اللغة، والتراكيب، لاعبة، وآسرة، لكنها تبقى أبدا في هذه الحدود، لو نحن لم نعثر فيها على تلك المنطقة الخطرة التي تحوى إمكانات أخرى توسع من جسدها اللغوي لتثري أفق التجربة الشعرية، إن لم أقل إنها شرط هذا الأفق. بهذا المعنى، تتساقط قصائد كثيرة ولا يستبقي تاريخ الشعر إلا أقل الشعر.

يقودني هذا الاشتراط الذي طالما ألزمت نفسي به، أقله في نظرتي إلى الشعر، إلى تحري هذا المعنى في ما أقرأ من شعر، وفي ما أكتب.


شعراء جدد


أظن أن القصيدة العربية الحديثة عمرها ما كانت تملك قابلية على استيعاب المعنى وتوليده، كما هي اليوم، في أطوارها الجديدة، رغم كل تلك الهجائيات المعلنة والمستترة التي وجهت إلى الشعراء الجدد وشعرهم من قبل شعراء حديثين اعتُبروا روادا وآباء وسبّاقين، وكانوا مفرطي الأنانية، ربما لكونهم لم يكونوا قادرين على احتمال مرور الضوء على تجارب الشعراء اللاحقين عليهم.

إن ما يساعد على تلمس درجة تحقق المعاني الوجودية العميقة في نصوص شعراء لم يتوقف التأريخ الكسول للشعر عن وصفهم بـ”الشعراء الجدد” (وكانت قد اتهمت نصوصهم بلهوها بالفراغ، وصدورها عنه، من قبل بعض ألمع نقاد النص الشعري الحديث) إنما نجد الدليل المرشد إليه في تلك العلامات المثيرة للخيال والمنعشة الدالة على آثار شعرية حديثة أنتجها وينتجها بعض أفضل الشعراء العرب ممن تنتمي تجاربهم، لحسن الحظ، إلى مرجعيات ومشارب متعددة، لا تقبل بخضوع الحداثة وشعرها إلى مفهوم واحد جامد لا يتزحزح.


الأنا المتعالية


لقد انقضى زمن الميوعة العاطفية والصوت المتضخم، والأنا المتعالية إلى درجة الألوهة؛ انتهت قصيدة “المتنبي الحديث” البائس المتورم، لصالح قصيدة الشاعر الإنسان ابن الأرض، وابن المدينة، المتسلح بطاقة خلاقة تمكنه من خوض مغامرة أنضج مع اللغة، تتلمس العالم، مشتملا على المرئي وما وراءه، مدفوعة بشغف إعادة تلغيز الحواس والرؤى والميول ومعها اللغة التي تكتب الذات في عالم لم يعد بالإمكان وصفه بالبساطة. لا أتكلم، هنا، على تجارب أفصحت آثارها عن حذلقات لغوية ولا على رطانات الشعر اليومي وتبذله، وإنما على صنيع شعري مختلف يتيح للشاعر أن يمتلئ بفكرة أنه “يمشي بين الأيام ووراء الأيام”، وأن لديه بلاغة حديثة إنما هي ندّ للبلاغة القديمة، التي استمرت تأسر الشاعر العربي الحديث وميوله من أحمد شوقي وحتى علي أحمد سعيد (أدونيس).

في عرف الشعراء الجدد يتولّد اليوم يقين بأن الطبعة العربية الواحدة للحداثة قد هلكت، وخرج من حطامها شعر حر ومنفتح على عالم شاسع يأبى أن يُؤسر، أو يقنن استناداً إلى مفاهيم للشعر صدرت عن تجارب سبقت.

يبدو الشاعر المتفوق على قصيدته، المتهافت بشخصه على الضوء، أشبه ما يكون بمتسول بائس يعتاش على الاسم، بينما قصيدته تنتحب في الظل


القصيدة الكبيرة


معضلة تاريخ الشعر العربي أنه يحفظ لنا إلى جوار السطور الشعرية العظيمة التي احتجب شعراؤها، شعراء يتقدمون على قصائدهم. في العصور الحديثة يبدو الشاعر المتفوق على قصيدته، المتهافت بشخصه على الضوء، أشبه ما يكون بمتسول بائس يعتاش على الاسم، بينما قصيدته تنتحب في الظل! إنه شخص يستثمر إرث الشاعر النبوي، الشاعر الناطق باسم جماعة، أو ثقافة، أو فكرة، الشاعر الأسطع من شعره.

هناك، بيننا إلى اليوم، شعراء أنانيون إلى درجة تستدعي الشفقة، وهؤلاء هم، غالباً، أشخاص مضطربو الدواخل، يشكّون في قدرة نصوصهم على البقاء، فإذا بهم يكثرون من الكلام الكبير عن الخلود، ومن الكلام الطائش عن “موت الشعر” و”موت اللغة”، و”موت البلاغة”، و”موت المعنى” في الآثار الجديدة. أظن أن إلحاحا كهذا على مفردة الموت إنما يعكس، سايكولوجياً، أزمة الشعور به عند هؤلاء الشعراء.

المحزن أكثر من أي شيء آخر مع أمثال هؤلاء الشعراء هو تلك العقدة التي تولدت لديهم على نحو غريب جداً، وأعني بها، ما سبق وأطلقتُ عليه في مقالات سابقة “عقد قتل الابن” بين دوافعها، بالتأكيد، ضرب مرير من اليأس من المستقبل، إنه مس من جنون العظمة، ولوثة من بطرياركية مُهلكة أصابت الشاعر، لتعكس استسلاما محزنا إلى بطرياركية اجتماعية وسياسية أبّدت نفسها في مجتمع شرقي لم يتخلّص من طبائع الاستبداد. فهل يليق بشعراء كهؤلاء أن يقرن شعرهم بفكرة الحرية التي طالما قرن بها الشعر الحديث؟

في وسع شعراء ظهروا قبل شعراء أن يعتبروا اللاحقين عليهم أبناء لهم، لكن المسألة ليس مسألة رغبة، فإذا لم تؤكد هذه الأبوة روابطٌ جماليةٌ وفكرية حقيقية يمكن العثور عليها في الشعر، فلا قيمة لمثل هذا الادعاء، بل إنه يتحول إلى شيء فكاهي: أب يفتش عن ابن يتبناه! هذه واحدة أخرى من عوارض مرض بطاركة الشعر بفكرة الخلود.

لعل فكرة أن الجيل لا ينتهي إلا بموته الجسدي هي فكرة صحيحة إلى حد كبير. لكن المحزن في ثقافتنا العربية أن تموت الأرواح وتبقى الأجساد تتحرك سابحة في فلك يوهم بالحياة الخالدة.

يجب أن نعترف أن نوعا من التناكر الغريب يحكم العلاقات بين الأجيال الشعرية العربية، لم ينج منه، على المنقلب الآخر، بعض أفضل الشعراء الجدد من ذوي التجارب المؤثرة.


اتهامات ومجازفات


بعض ما يحملني على هذا التوصيف النقدي الجارح هو تلك الاتهامات الباطلة التي تصدر، بين وقت وآخر، عن شعراء يبست عروق شعرهم، والتي تكيل للأصوات الشعرية الجديدة ذات التجارب المؤثرة تعريضا بنقائصهم، لاسيما ما يقال عن “نقصان الخبرة الوجودية” لديهم. هذه الاتهامات وغيرها (تبقى متوقعة في منعطفات يموت فيها شيء ويولد شيء آخر) إنما هي تسمّم فضاء الشعر، وتكشف حقيقة أن مطلقيها يعانون من أزمات نفسية أليمة، وما كلامهم المجازف بالحقيقة، والمتجني على الجمال الشعري الجديد سوى ضرب من بلاغة التعبير عن الاحتضار. فالرقعة الشعرية العربية عريضة وهائلة وتشير إلى خصوبة أرض الشعر، وإلى إمكان حقيقي لتعايش الجماليات المختلفة، بل والمتناقضة. طالما كانت الثقافة الشعرية العربية على امتداد قرون قابلة للتنوع ولجدل الاختلاف.

لقد انقضى زمن الميوعة العاطفية والصوت المتضخم، والأنا المتعالية إلى درجة الألوهة؛ انتهت قصيدة “المتنبي الحديث” البائس المتورم، لصالح قصيدة الشاعر الإنسان ابن الأرض

وما أظن إعراض البعض عن الأخذ به، اليوم، إلا تعنتا لا يسنده تاريخ الشعر ولا حتى بأمثولة واحدة قيّمة. فحتى ما يسمى بعصور الانحطاط العربي كانت هناك مساحات للاختلاف وتعايش الاتجاهات ولقاء الأساليب بين الشعراء والأدباء، وربما تعدد الرؤى والتطلعات.

ولو ضربنا صفحاً عن القلة الخائفة من الجديد الأجد، فإن الكثرة من الشعراء الأذكياء تتلقى الجديد على ألوانه المختلفة بفرح وصفاء وقدرة على التمييز والاغتناء. هناك، إذن، ما يموت، والموت حقّ وجودي، ومن طبع المحتضر أن يتحشرج.


الفرادة القاتلة


إن عدم القدرة على المشاركة والحوار والإقرار بوجود الآخر المختلف في الثقافة العربية، لهو ضرب من التلوث بالذات ووقوع في شرك فرادتها القاتلة، وهو من عوارض ثقافة الاستبداد. أما الموت كما عنيته بوصفه حقاً، فهو شيء لا يمكن لأمنياتنا أن تمنع وقوعه، بل إنه شرط تطوري.

وإن كنت أعتقد أن (جديد) بعض الشعراء كف عن أن يكون مبتكرا ومبدعاً، فإن ذلك لا يطال بحال (قديمه) الذي ولد في سياق وتاريخ مختلفين، ولربما يبقى حاضرا في الذائقة المعاصرة.


العفوي والتلقائي


هل يمكن ربط جودة الشعر بفكرة التدفق العفوي؟ ما من شاعر يمكن أن يكون عفويا وهو يقدم على كتابة الشعر، هناك، بالطبع، حضور فعال للتلقائية في الكتابة، لكن ليس من باب نحت صورة للشاعر تتجاوب مع تصورات رومنطيقية عن الشعر. أظن أن الشاعر يبلغ به ذكاؤه في الكتابة، أحياناً، درجات من اللعب المضلل للقارئ، وهذا لا علاقة له بشيء اسمه التلقائية التي يمكن أن تختلف من شعر إلى شعر، ومن شاعر إلى شاعر. وفي ما يتعلق بشخص الشاعر، بطباعه ربما يكون هذا تلقائياً، وعلى قدر من العفوية في سلوكه اليومي، فلم لا يكون كذلك في الشعر؟ الجواب نجده في نوازع الفن وتعقيد نسيجه، في صنعة الشعر، وفي متطلبات الكتابة، في ميول الشاعر ونظرته إلى الوجود. فكرة التلقائية تعكس مفهوماً في العلاقة مع العالم، لكنها في الشعر تبدو محكومة بضوابط وشروط ومعطيات يشترطها فن كتابة الشعر، فنحن في لحظة الكتابة ما أن نغامر حتى نبلغ في علاقتنا مع الكلمات أقصى التركيز، وهذا لا يمكن إحالته على العفوي، أو التلقائي، وإنما على شبكة معقدة من الأسباب التي تتشكل منها قدرات الشاعر، وتتحد وفقها طبيعة علاقته اللغة، والبراعة في الصّنعة، وصولا إلى ماهية التجربة.

تتأسس خبرات الشاعر في علاقته مع اللغة على هواجس مبكرة، درجات متفاوتة من علاقات الانسجام والتناقض معاً


الأثر المبكر


تتأسس خبرات الشاعر في علاقته مع اللغة على هواجس مبكرة، درجات متفاوتة من علاقات الانسجام والتناقض معاً، لا تني تتعقد وتتركب، لكنها تنهض أبدا على ذلك التاريخ الشخصي المائز لحواسه ورؤاه واهتماماته المبكرة. وحتى عندما يتشرب الشاعر، بحواسه وأفكاره وخيالاته، التجربة الإنسانية في جدة ما تجود به عبر الوقائع والتواريخ الحاضرة التي تشكل وعاء للقاء الأزمنة والخبرات، فإن إرثه الشخصي هو الذي يفعل فيها فعله الخارق عبر تجربته مع اللغة.

حالات انفعال الشاعر وقلقه وارتطامه اللغوي بها تتناقض وتتغير في مظاهرها وثيماتها، وتبقى الميول الأولى خيوطاً سرية تصل بين أزمنة الشاعر.


القصيدة والغريب


إن بعض ما يشغل الشاعر في علاقته بالعالم، هو الكائنات البشرية. العالم بداهة ليس وجودا طبيعيا غامضا وكفى، العالم مسكون بالآخرين المجهولين، البشر الذين لم نكتشف فرادة كل واحد منهم، نرتطم بهم ويبقون مستغلقين علينا، كل كائن قارة.

من آخر متعين نميل نحوه، أو آخر غريب نتوقعه يبدأ العالم. في بعض تأملات الشاعر في الآخر، وشعوره بوجوده، في درجات قربة وبعده، حضوره وغياباته، وفي فترات الشباب مثلا، كان مجرد وقوع كائن غريب في جوارك على مقربة منك، مصدر غبطة لا تملك لها تفسيراً، كأن تلك الأخوة الصامتة، الأخوة غير المفصح عنها هي ما يتحرك في هواء اللقاء، المنذور سلفاً للتلاشي، فإذا بالنفس التي تستقبل الآخر وتودعه بصمت، تمتلئ بما بعثت فيها هذه السيرورة من فيض مشاعر غامضة أبداً، وما القصيدة بعد ذلك إلا مغامرة تقوم على تلغيز آخر للخبرة الشعورية في علاقة الشاعر بالكائنات التي تجاوره في العالم، لاسيما الغرباء.

البعد والقرب واحد. مادام الفنان هو المصير، والعدم هو المآل. يعاني الشاعر، برهافة مدمرة، من شعور متأصل بالخوف من الفقدان، غالباً ما يبدأ خوفاً من فقد آخر قريب، في شعره وقبلا في مزاجه يمعن الشاعر في توجس الفقد في ذروة لحظات الفرح يتقطر شعوره أسى من فكرة الفقد، كأن وجود الآخر في مساحة وجوده ومسافات الشعور بهذا الوجود، ومن ثمة التعبير عنه في الشعر، إنما هو وجود قلق، وجود مهدد، لكونه منذورا للضياع. وتتضاعف، على نحو كارثي، وطأة هذه الهواجس والتأملات في الآخر ومصيره، بالنسبة إلى الشاعر، ربما لكونه يقبل على الآخر كما لو كان يقبل على نفسه في المرآة، فما عبور الآخر في العالم إلا صورة أخرى لعبورنا في الوجود.

11