شعراء ورسامون وفنانون يجمعهم الحلم السريالي

السرياليون يتمردون على الواقع عبر كتابة أحلامهم ويحتفلون بها عبر رؤى شخصية يتقصّى كُتّابها ما يمور في نفوسهم، وما يتبدى في  تخيّلاتهم من هواجس.
الاثنين 2018/04/23
الخلاص الروحي (لوحة للفنانة ريما سلمون)

ينحني كتاب “أحلام السرياليين” الذي كتبه عدد من المؤلفين بترجمة العراقي كامل عويد العامري، على تناول عدد من أحلام السرياليين المكتوبة خلال سنوات الثورة السريالية 1924-1929، والتي نشرتها مجلة “الثورة السريالية” حيث احتفت تلك الأحلام بما وراء الواقع، واستثارت ما هو غرائبي في النظر إلى قيم المكان والزمان، والوجود، وعبر رؤى شخصية يتقصّى كُتّابها ما يمور في نفوسهم، وما يتبدى في  تخيّلاتهم من هواجس، وتأملات تتجاوز ما هو نمطي، وما هو توصيفي، والذي يقوم على تدوين الغامض، والإباحي، والرمزي.

 وفي سياق تشكّلها في اللوحات والألوان والمنحوتات، أو في القصائد والمسرحيات والسرديات، أو حتى في البيانات التي كتبها السرياليون، إذ تستشرف هذه البيانات ما هو حلمي، وما يستكنه روح الثورة والخراب، والدعوة إلى الحرية الكاملة، وإلى تمجيد الأحلام والهذيانات والرغائب، تعبيرا عن محنة الحرب، وعن هموم ونزعات الإنسان المسكونة بالتمرد، وعبر توظيفها في  وحدات تصويرية وشعرية واستعارية، يُعبّر من خلالها الكُتّاب عن تلك الرؤى الصادمة، والأفكار الساخطة على المعنى، والسياق.

 

من الصعب فصل إرهاصات التحوّل التعبيري في أدبياتنا عن أحلام السرياليين، إذ استغرقت تلك الأحلام حسيات اللغة، وهواجس الشعراء والفنانين، وإشراقات بياناتهم، حتى باتت الصورة والاستعارة والفكرة والرؤيا وكأنها العلامات الأكثر تمثيلا للوجود، حيث تتسع فيها الحدوس، وتتكشف اللغة بوصفها البصري على ما يشبه السحر، والغرابة والدهشة، والطيش والنفور

الأحلام والأفكار

في العتبة الأولى “ما قبل الحلم” وضعنا المترجم عند التعريف بمنهجية اختياره لخمسة عشر حلما، لشعراء ورسامين وفنانين يجمعهم الحلم السريالي، بوصفه الفرويدي كطاقة لليبيدو، أو بوصفه الإيهامي كطاقة للحلم، واللذين وجدا في أطروحات أندريه بريتون مجالهما التعبيري عن التصورات الفكرية والفنية للحركة السريالية، حيث “الرغبة في التقاط قوى الحلم”، أو في أن يكون “الحلم وسيلة للمعرفة واستكشاف اللاوعي”.

تمثيل الأحلام كصور ثقافية وجمالية واحدة من أكثر تجليات الحركة السريالية، فهي “وسيلة لاختراق الذات، وبالتالي الوصول إلى المعرفة العليا” مثلما هي محاولة لمساعدة “عقولنا للتحرك في عالم خارق، فيه الكائنات والأشياء تأخذ مظهرا غير متوقع وغير عادي يتزين بلون الحلم”.

التلازم ما بين الأحلام والأفكار يضع القارئ أمام لعبة التعرّف على الذات، وعلى طاقة الحلم، وما يحلم به جورجيو دو شيريكو ورينيه غووتيه وميشيل ليريس يختلف عن أحلام أندريه بريتون، إذ تبدو الأحلام  الأولى أكثر استغراقا في الدهشة، حيث الأفكار التي تلتصق بما هو مفارق في الطبيعة، والتي يعمد الحالم السريالي إلى تمثيلها في علاقات ضدية، وفي تشكيلات تُعبّر عن الوعي المتعالي للسريالي وهو يحاول أن يجد في أحلامه ما هو نظير ضدي للواقع، وعبر تهويمات تتسع فيها المرايا، وتجريديات الأشكال، واستخدام المهمل، والمُشوه، وللتعبير عن انكماش ما هو دنيوي، مقابل تضخيم كآبة الكائن وهو يعيش كآبة المكان، أو “سأم المدينة” كما سماها بودلير.

 أندريه بريتون، وهو المؤسس، يجد في الحلم حافزا لارتكاب المزيد من المواجهات مع الواقع، حيث لا ينمّ “إلّا عن الجانب الشاق والبشع، بل والمريب من الخواطر التي استسلمت إليها، والذي يخفي بعناية كل ما هو نابع من خواطر متشابهة، وصار بالنسبة إلي القيمة الخرافية”.

وهو ما بدا واضحا في روايته “نادجا” والتي ينطلق عبرها إلى ما تُنتجه فيه الأحلام من صور وأفكار وتسال، وكأنها تجسّد الحالة الروحية له، ولما يكتبه، فهي موقفه من العالم والحرية والجسد، مثلما هي صوته الداخلي المسكون بالكوابيس والرفض والاحتجاج، وحتى علاقته مع الآخرين لا تبدو طبيعية، رغم واقعيتها، لكنها متعالقة أفكار معينة، فيها السياسي والثوري، والنفسي، فهي لصق الأحلام التي تراوده، لا سيما تلك التي تؤدي دور الكاشف، وما يُثير الدهشة، واستكناه محنة الإنسان المُعذّب، الإنسان الضحية، والباحث عبر الحلم عن الحرية، والتفكير بصوت عال، وهو ما بدا واضحا في بياناته وفي كتاباته، وسخطه على العقلانية الزائفة، والبنى المُقيدة، والتي وضعها- أيضا- في سياق علاقاته مع شخصيات شائكة ومضطربة، لكنها واعية- سياسيا وفنيا- جدا مثل أراغون وإيلوار وخوان ميرو وأبولينير وبيكاسو وغيرهم.

كتاب يجمع قصصا لا رابط بينها
كتاب يجمع قصصا لا رابط بينها

في حلم أراغون لا يبدو هذا الحلم ارتكاسيا، فهو ينطوي على صور، وأفكار وعلى تفاصيل، وحتى على كلمات ذات خاصية حسية، لا طلاء لها سوى ما يجعل هذا الحلم أكثر تعبيرا عن شغفه، وعن تمثلاته الفلسفية والبصرية..

وفي حلم بول إيلوار يذهب الشاعر إلى التفاصيل، حيث يتحول الحلم إلى كابوس عائلي، وإلى قلق وجودي، ولأنه مسكون بواقعية فكرية ذات مرجعيات ماركسية، فإنّ رغبته في الثورة تظل أكثر التصاقا بالحلم، وبأنسنة تلك التفاصيل، وبما يمكن أن يحتفظ به من روح دافقة، هي روح الإنسان والعاشق الشاعر والفيلسوف والثوري، والذي يرثي العالم البرجوازي المسؤول عن موت أحلام الكثيرين.

مثيرة للسخرية

أحلام الشاعر تنطلق من فكرة الخلاص الروحي، ومن قدرته على تأويل العالم من خلال التعالي على الواقع، وعبر استثارة الحوافز اللا شعورية، حيث تتحول الرؤيا/ عين الكاميرا، أو عين الشاعر إلى مجال لاستعادة المزاج الشخصي، عبر خلخلة الأفكار السائدة والمهيمنة، وعبر حشو أي مشهد تمثيلي بطاقة حلمية، هي التعبير عن النزعات الساخطة والغاضبة والمنتهكة، والتي لا تهتم كثيرا بما هو معروف عن الجمال والقبح، وعن المُقدّس، فكلّ شيء كما يبدو يمثل مفارقات حياته الاجتماعية والجنسية والسياسية، وهلاوس أحلامه.

أحلام الآخرين هي نصوص مكتوبة، ومعارضة للمألوف، مثلما هي منعشة، ومليئة بالهيجانات النفسية، وبما يجعل اللاوعي أكثر تعبيرا عن الأفكار وعن صورها المتشظية، فأحلام مثل ريموند كنو وبيير نافيل وماكس موريز ومارسيل نول تبدو وكأنها قصص لا رابط بينها، حيث تعبيرها عن القلق، أو الخوف، أو عن العالم المسكون بالقسوة، تلك التي يحمل بعضها لا وعي الحرب، والمحنة الاقتصادية.

ويحمل بعضها الآخر الذعر من صعود الفاشيات والنزعات القومية، وهو ما جعل أحلام السرياليين غير خاضعة مباشرة للنظرة العيادية لسيغموند فرويد، فهي ليست نتيجة لا وعي مرضي، بقدر ما هي تعبير عن لا وعي مأزوم، وإشكالي، وربما هي تورية للوعي الساخط على الواقع.

ونذكر أن كتاب “أحلام السرياليين” صدر في نسخته العربية عن دار سطور للتوزيع والنشر ببغداد.

14