شعراء وكتاب ومثقفون يناقشون الحال الثقافي في المغرب

الثلاثاء 2014/10/21
مدينة شفشاون رمز من رموز الثقافة المغربية

الدار البيضاء- رغم استمرار ظهور إرهاصات وبوادر دخول ثقافي في المغرب، فإن هذا الدخول الثقافي يبقى مؤجلا، مرة أخرى. فعلى المستوى الرسمي، أثار العاهل المغربي الملك محمد السادس، في خطاب العرش الأخير، قضية الثروة “غير المادية”، حين وجه “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي” بالتعاون مع بنك المغرب، ومع المؤسسات الوطنية المعنية، وبتنسيق مع المؤسسات الدولية المختصة، إلى القيام بدراسة لقياس الثروة الشاملة للمغرب، وذلك من أجل “إبراز قيمة الرأسمال غير المادي لبلادنا”، يقول خطاب الملك، وكذا من أجل “ضرورة اعتماده كمعيار أساسي خلال وضع السياسات العمومية”، يضيف الخطاب، على أساس أن “قياس الثروة غير المادية يعتبر آلية للمساعدة على اتخاذ القرار”.

على المستوى الرسمي، تحدث أحد وزراء الحكومة عن توجه عام للوزراء يراهن على الرفع من ميزانية وزارة الثقافة المغربية في قانون المالية لسنة 2015. مقابل ذلك، وعلى المستوى المدني وغير الرسمي، وارتباطا بخطاب العرش حول “الثروة غير المادية”، وقع 84 فاعلا مغربيا “نداء لإطلاق حوار وطني حول الارتقاء بالتنمية بالمغرب”، وذهب الموقعون على النداء إلى أن خطاب الملك قد “هيأ شرطا مواتيا لفتح نقاش حقيقي وبناء وعميق حول قضايا الثروة وإنتاجها وتوزيعها”.

لكن النداء ركز على توزيع الثروة المادية، وعلاقة الثروة بالسلطة، ولم يتحدث عن الثروة الثقافية، الأمر الذي يفسر سقوط اسم الكاتب المغربي عبداللطيف اللعبي من لائحة الموقعين على النداء في آخر لحظة، رغم كونه قد اشتهر خلال السنوات السبع الأخيرة تحديدا، بتحرير عدد من النداءات حول الثقافــة والفكر والذاكرة المغربيـة المعاصرة.

فاطمة ميمون: الحديث عن موسم ثقافي حقيقي يفترض وجود استراتيجية تقوم على إعطاء المثقف دوره

وقد ورد اسم اللعبي في البداية، ضمن قائمة الموقعين على النداء، ثم خرج في تصريحات صحافية ليسجل على النداء انشغاله بقضايا وأسئلة اقتصادية تحتاج إلى خبرة بالموضوع لا يتوفر عليها، ومنبها أيضا إلى أنه كان على النداء أن ينشغل بمناقشة الثروة غير المادية في المغرب، كما طرحها خطاب العرش. هكذا، غابت أسماء المثقفين المغاربة عن قائمة الموقعين على النداء. كما ظهرت أسماء نادرة وقعت مع الموقعين، مثل القاص أحمد بوزفور والأنثروبولوجي عبدالله حمودي، بينما كانت غالبية التوقيعات بحبر سياسيين يساريين وإسلاميين.

بدا أصحاب النداء، الذي حرره الاقتصادي واليساري المغربي فؤاد عبدالمومني، حريصين على خلق إجماع حوله، فحضرت السياسة وغاب المثقفون. بينما كان يمكن أن يكون النداء فاتحة لنقاش سياسي قد ينذر موسم ثقافي (يصطلح عليه المغاربة بمصلح الدخول الثقافي) في المغرب، تأجل مرة أخرى إلى أجل غير مسمى.

أما عن قضية الرفع من ميزانية الثقافة، فلم تكن لتشجع المثقفين المغاربة على الخوض فيها، وقد صمتت المؤسسات الثقافية في انتظار نصيبها. بينما يعرف الجميع أن الحكومة ماضية في سياسات تقشفية شاملة. وحتى إذا ما تم الرفع من ميزانية الثقافة، فلن يكون سوى بإضافة نصيب ضعيف إلى الميزانية الضعيفة أصلا، التي تحظى بها وزارة الثقافة في المغرب.

أنباء سارة مثل هذه، عن علاقة الحكومة بالثقافة، سرعان ما تواجهها أنباء غير مشجعة، من قبيل القرار الصادر عن الحكومة، والقاضي بالتراجع عن تدريس مواد التربية الفنية، من موسيقى وتشكيل ومسرح، وإلغائها من البرامج الدراسية.

هكذا، وفي غياب موسم ثقافي بالمعنى الحقيقي، ظهر شريط من العناوين التي أثثت بداية سنة ثقافية ممكنة في المغرب، حيث تم تدشين ملكي يوم 16 سبتمبر لمسرح الأميرة للاعائشة بمدينة المضيق، شمال البلاد وافتتاح متحف الفن المعاصر في العاصمة الرباط يوم 25 سبتمبر 2014. كما تم توقيع “علبة الأسماء”، الرواية الجديدة لصاحب البوكر لسنة 2012، وهو وزير الثقافة المغربي الأسبق الشاعر والكاتب محمد الأشعري في فضاء المكتبة الوطنية بالرباط، يوم 27 سبتمبر 2014. وأيضا تتويج رضا دليل بجائزة المامونية في مدينة مراكش في نسختها الخامسة، عن روايته “الموظف” يوم 28 من نفس الشهر.

وأحدثت مؤسسة الفنون الشعبية بمراكش، في اليوم نفسه. إضافة إلى افتتاح الموسم المسرحي في مسرح محمد الخامس بالرباط، بتكريم مجموعة من المسرحيين المغاربة الرواد يوم 11 أكتوبر الجاري، ثم عرض مسرحية “العابر” لأيوب العياسي، المقتبسة عن ديوان “دفتر العابر” لياسين عدنان… وعناوين أخرى، آخرها إعلان وزارة الثقافة يوم 30 سبتمبر المنصرم عن موعد الدورة المقبلة من المعرض الدولي للنشر والكتاب، التي ستنعقد ما بين 12 و22 فبراير 2015.


الموسم الثقافي

ياسين عدنان: الدخول الوحيد الحقيقي الذي يمكن أن نتحدث عنه في المغرب هو العودة المدرسية


ومع ذلك، “ليس هنالك من موسم ثقافي ولا هم يفرحون”، يقول الشاعر والناقد المغربي محمد بودويك، في حديث مع “العرب”، متسائلا عما إذا كنا قد “خرجنا من موسم ثقافي سابق مثقل الرزنامة، مهيكل ومبرمج لأنشطة مختلفة، وحراك فكري وإبداعي عام، لندخل موسما ثقافيا جديدا مهيأ، ومخططا له؟”.

ويرى بودويك أن الموسم الثقافي في المغرب يتأجل إلى حين انعقاد دورة جديدة من المعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء، لكن حين تنتظم هذه التظاهرة في منتصف السنة، فلا يعود هنالك معنى للحديث عن موسم ثقافي.

وقد لخص الشاعر مراد القادري، وهو عضو المكتب المغربي للسياسات الثقافية الوضع، بقوله “إن كل شيء في المغرب ينطلق إلا الثقافة”.

الأمر الذي يؤكده أيضا الشاعر والإعلامي المغربي ياسين عدنان، صاحب البرنامج الثقافي الوحيد على القناة المغربية الأولى “مشارف”، حين يرى أنه “ليس لدينا موسم لا في السياسة ولا في الثقافة ولا في الفن. الدخول الوحيد الحقيقي الذي يمكن أن نتحدث عنه في المغرب هو العودة المدرسية. أما الأمور الأخرى فلا ترتبـط بتاريخ معلوم ولا بديناميكية واضحة”.

من هنا، يذهب عدنان في حديثه مع “العرب” إلى أن الموسم الثقافي هنا يبقى “مجازيا”، أي أنه “موسم يتحقق في الخطاب الإعلامي وكلام الصحافيين دون أن يسنده واقع الحال”. أما “الثقافة التي تهمه أكثر من غيرها، فلا مكان لها”، يقول صاحب “رصيف القيامة”، وعلينا أن ننتظر معه طويلا، على حدّ تعبيره، “إلى أن يلتئم معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب، لكي نتعرف على جديد المطابع المغربية، ويبدأ الكتاب في الترويج لجديدهم الفكري والأدبي، وتوزع جوائز المغرب للكتاب، ويعود الكل بعدها إلى سباته”.

الموقف نفسه عبر عنه الناقد الأدبي والسينمائي عبداللطيف البازي، وهو مدير تحرير مجلة “عن الكتب”، حين أقر بصعوبة الحديث عن موسم ثقافي في المغرب “لأن وضع البلد الثقافي بشكل عام، هو وضع رخو ومهلهل، لا تسنده سياسات محددة ولا مؤسسات متخصصة ذات مصداقية وتأثير، بل هو رهين مشاريع فردية تظهر وتختفي ورهين مجازفات مهووسات ومهووسين بشغف الكتابة والإبداع”.

لكن البازي، وإن كان يتفق مع زملائه من المثقفين المغاربة على أن انطلاقة الموسم الثقافي المغربي وعنوان جاذبيته هما المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء، غير أن هذا المعرض نفسه لا يكفي، على الرغم من قيمته الاستثنائية، فهو حسب المتحدث “غالبا ما يخلف لدينا بعض الخيبة والإحباط سواء في كمّ ما يقترح علينا، أو في قيمته الإبداعية والفكرية، مما يؤدّي بنا إلى نسيانه بسرعة قياسية، بما في ذلك نسيان معظم العناوين التي تفوز بجائزة المغرب للكتاب”.

عبداللطيف الباز: وضع البلد الثقافي بشكل عام، هو وضع رخو ومهلهل

أما عن الرفع من ميزانية وزارة الثقافة، وعن دعم التظاهرات والمبادرات الثقافية في المغرب، فلا يختلف البازي مع غيره في التأكيد على أن الثقافة المغربية هي في حاجة دائمة إلى “دعم سخي”، و”إلى إحساس بالمسؤولية من طرف كل المتدخلين”، “وفي حاجة، قبل هذا وذاك، إلى مشاريع جذابة تحاور المستقبل”.


البديل الاستراتيجي


يعمق الشاعر المغربي محمد بودويك النقاش حول الموسم الثقافي في المغرب، وهو يتسلل إلى التفاصيل، بينما يتحدث إلى “العرب” متسائلا: “لِمَ ننتظر توقيع الموسم الثقافي من وزارة الثقافة فقط؟ أليس في البلاد مؤسسات ثقافية مدنية، ذات صولات وجولات، وضجيج وعجيج؟ أقصد “اتحاد كتاب المغرب”، وأقصد “بيت الشعر في المغرب”، و”فروع الاتحاد” بالجهات، وباقي الجمعيات الثقافية التي تستنيم للدعة و”الدخلة” المدرسية والاجتماعية.

لكن الكاتب العام لاتحاد كتاب المغرب عبدالدين حمروش، لا يجيب ولا يردّ على سؤال بودويك، بقدر ما يجاريه ويتفق معه، غير أنه يتساءل عن وجود مؤسسة أخرى غير المؤسسة الرسمية ولا المؤسسات المذكورة، تكون معنية أساسا بتدشين هذا الذي نسميه موسما ثقافيا”.

هكذا، يرى عبد الدين حمروش أنه “لا يجوز الحديث عن الموسم الثقافي، بمعزل عن الحديث عن المؤسسة الثقافية. والسؤال المتوقع، الذي يفرض نفسه بتلقائية، هو الآتي: هل لدينا مؤسسات ثقافية، تخطط وتبرمج للموسم الثقافي؟”.

كما ينتبه حمروش إلى قصة أخرى، وهي قصة البرامج الثقافية المعلنة، التي غالبا ما لا تتحقق، فكيف للدخول الثقافي أن يتم بهذا المعنى. فبالنسبة للدخول الثقافي يقول حمروش، في اتصال مع “العرب”، وهو خارج للتوّ من اجتماع المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب، مطلع هذه السنة: “ليس من مؤشراته غير برنامج واعد، ينتظر من يعد بإخراج فقراته. ويضيف حمروش قوله:" الثقافة انتظار وعد إلى أن يتحقق. ولذلك، غالبا ما لا يتعدّى الموسم الثقافي الإعلان عن برنامج، لا أقل ولا أكثر».

عن البديل الثقافي، ومن وجهة نظر مديرة تحرير جريدة “روافد ثقافية”، تذهب فاطمة الميموني إلى أن “الحديث عن موسم ثقافي حقيقي يفترض وجود استراتيجية ثقافية تقوم على إعطاء المثقف دوره الحقيقي، كفاعل مؤثر ومنتج، وعلى الانفتاح على كل المكونات الثقافية والحضارية للمجتمع المغربي”.

استراتيجية ثقافية ينبغي في نظر الميموني أن تكون “واضحة ومحدّدة، قادرة على الإنصات لهموم المثقف المغربي، وعلى الاعتراف بدوره المؤثر في تنمية المجتمع”.
محمد بودويك: الموسم الثقافي في المغرب يتأجل إلى حين انعقاد دورة جديدة من المعرض الدولي للنشر والكتاب

هذا الاعتراف الذي يجعل من المثقف “طرفا أساسيا في صياغة القرارات وتسطير البرامح الثقافية، التي يجب أن تجد طريقها للتنفيذ، وأن تعطى لها الأولوية في السياسة الوطنية”، تؤكد الميموني لـ”العرب” أنه «لا يمكننا الحديث عن “وضع ثقافي” في غياب هذه الاستراتيجية التي تطرح أسئلة تؤسس لتقاليد ثقافية جديدة تقوم على التشارك الفعلي بين مكونات المجتمع”.

هكذا، يتأجل الموسم الثقافي في نظر المرأة المغربية المثقفة أيضا، إلى أن يصبح التدبير الثقافي “همّا حقيقيا يشغل كل المكونات المجتمعية”. الأمر الذي يتعذر “في غياب تضافر قوي لجهود المؤسسات الرسمية وأطراف المجتمع المدني”. وبلغة أخرى، ترى فاطمة الميموني أنه “لا يمكننا الحديث عن موسم ثقافي في غياب تصوّر متكامل لسياسة ثقافية تقوم على برنامج واضح يجعل من الثقافة أولوية تتصدر انشغالات وبرامج الحكومة”. والخلاصة عند مديرة “روافد” أنه “لا وجود لموسم ثقافي محفز في غياب دعم مادّي، وفي غياب ميزانية محترمة”، كما لا وجود لموسم ثقافي مؤثر وفعال “في غياب استراتيجة تعليمية تحتضن الهمّ الثقافي، وتجعل من المدرسة والجامعة شريكا أساسيا في التنمية الثقافية”.


نزعة الاستبداد


لا يقارب عبدالدين حمروش أزمة الموسم الثقافي في المغرب، بمعزل عن الاعتمالات والمتغيرات العربية. ذلك أنه و”بالنظر إلى ما يشهده الوطن العربي من تدمير ذاتي، بتأثير من هيمنة نزعة الاستبداد، يبدو أن الحديث عن الدخول الثقافي بغير جدوى ولا معنى حتى. ذلك أن الأزمة التي نعيشها، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إنما هي ذات علاقة بتهميش البعد الثقافي أصلا. فالثقافة تقع في صلب معضلة التنمية ببلداننا، بحكم ما لها من صلات حاسمة بالمدنية، والمواطنية، والعقلانية”، حسب قول حمروش لـ”العرب”.

والنتيجة كما ينتهي إليها حمروش هي أن للثقافة “حضورا ضعيفا على مستوى التنمية في بلداننا. والسبب يكمن في إقصاء الإنسان العربي، باعتباره الهدف من كل تنمية، اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية”. من هنا، يمكن القول مع الكاتب العام لاتحاد كتاب المغرب إن “المعنى الحقيقي للثقافة يتلاشى، بفعل وجود متغيرات متلاحقة، من قبيل اتساع ثقافتي الاستهلاك والتطرف”. فهل يمكننا الحديث عن الموسم الثقافي في بيئة تَمُجّ الثقافة، بل وترفضها رفضا بفعل الكراهية التي تسكنها والحروب التي تضجّ بها؟ يتساءل حمروش…


الثقافة والمدرسة

فوزي عبدالغني: يصعب الحديث عن دخول ثقافي في المغرب كملامح واستراتيجية


يتفق المغاربة من مؤسسات ثقافية ومثقفين مؤسسين على أن أزمة التعليم في المغرب هي أزمة ثقافة، وأن أزمة الثقافة في المغرب هي أزمة تعليم. ومن مظاهر هذا التداخل والجدل هو تأثير العودة المدرسية على الموسم الثقافي في المغرب على نحو سلبي.

بينما يفترض أن يدعم الدخول المدرسي الدخول الثقافي، والعكس صحيح. وباستثناء مكتبات كبرى تابعة لدور النشر، في الغالب، مثل دار الأمان في الرباط، أو مكتبة المركز الثقافي العربي في حي “الأحباس” بمدينة الدار البيضاء، فإن جل المكتبات المغربية تتوقف عن عرض الكتاب الثقافي، والأعمال الأدبية والدراسات الفكرية والعلمية، لتقوم بمهمة عرض الكتاب المدرسي. من هذه النقطة بالذات، يصعب في نظر الشاعر والكاتب المغربي فوزي عبدالغني “الحديث عن دخول ثقافي في المغرب كملامح واستراتيجية أو استراتيجيات”.

ذلك أن دور النشر، يضيف عبدالغني، في لقاء مع “العرب”، “تبقى منشغلة بالكتاب المدرسي، ما دام المحرّك أساسا هو الهاجس التجاري”. وهكذا، لا تبقى هنالك في الأخير سوى “مجهودات فردية وجماعية لا يمكن التنكر لأفعالها، والتي هي بمثابة محفزات تثير القلق والأسئلة، كالإعلام الثقافي، ولو صحافيا، ومؤسسات ثقافية تدفع في اتجاه مشروع ثقافي يقتضي تضافر الجهود. وهو ما يعني أن الدخول الثقافي يعني المجتمع أساسا، حتى يتحوّل إلى مجتمع المعرفة والتداول، ما بين تحولات متسارعة تسعى إلى التهام الهويات والخصوصيات” وفق فوزي عبدالغني.

وعن علاقة الدخول المدرسي والدخول الثقافي وتداخلهما “السلبي” في الغالب، يرى القاص أحمد البقالي، وهو مكتبي أيضا، ومدير منشورات “دار الحكمة”، أنه “حتى لو قلنا بوجود موسم ثقافي في المغرب، نسبي على الأقل، فهو إنما يتأجل إلى ما بعد الموسم المدرسي”. ويسجل البقالي كون جل المطابع تتوقف أنشطتها وتنبري لطبع الكتاب المدرسي، وجل الموزعين ينهمكون في توزيع الكتاب المدرسي. ما يضطر المكتبات كلها أو جلها، إلى عرض الكتاب المدرسي وحده، بل إن هذه المكتبات تتوقف حتى عن بيع الصحف الورقية، يضيف صحاب مكتبة “بيت الحكمة” ومدير “دار الحكمة”.

الحديث عن موسم ثقافي حقيقي يفترض استراتيجية ثقافية تقوم على إعطاء المثقف دوره كفاعل مؤثر

وإذا كانت الأسر المغربية تستعد للموسم المدرسي باعتباره ظاهرة قائمة الذات، فإن الموسم الثقافي “لا يعدو أن يكون حركية فقط، وتظاهرات وفعاليات ومبادرات لا ترقى إلى مستوى الظاهرة”، يقول البقالي لـ”العرب”، مشيرا إلى أن الوسم الثقافي، إن جاز الحديث عنه، فإنه يأتي بعد العطلة الصيفية التي تنقطع فيها جل الأسر المغربية عن الثقافة والكتاب، لتنصرف إلى البحر والشمس، ويتوقف نشاط المكتبات، فلا تعود الحياة تدب في عروقها ورفوفها، أو الدخول في ما أسماه البقالي “حالة الكمون”. وبعد العودة المدرسية وموسم الكتاب المدرسي، غالبا ما تجد المكتبات صعوبة في استعادة ألقها وبعث الحياة فيها، ما يجعل الموسم الثقافي صعبا إن لم يكن متعذرا.

ونعود إلى الناقد والكاتب المغربي محمد بودويك، لنجده يتحدث بحسرة أكبر، في علاقة الموسم الثقافي بالمدرسي. والمشهد حسب رأيه، وعلى حدّ تعبيره يقتصر على “تزيين المكتبات في طول الوطن وعرضه بِطُرُزٍ من الكتب المدرسية ذات الورق الصقيل، والأغلفة اللماعة، والألوان المهدارة السائلة، وإذ هي تتزين بكل مُبْهِجٍ مَدْرسي، وكتاب مقرر، يعلن أرباب وعمال المكتبات، الحرب على الكتاب الثقافي، على الإبداع والمجلات الأدبية، فإذا هي مُخَنْدَقة مُتَمَتْرِسَةٌ وراء رفوف صدئة، أو أخشاب منخوبة، أو أستر متصدعة، منتظرة شموس الخريف والشتاء الباردة”.

حتى إذا عدنا إلى فوزي عبدالغني مرة أخرى، وجدناه يعلق الأسباب على مشجب “أزمة القراءة”، باعتبارها السبب الأساسي الذي يمنع تدشين موسم ثقافي بالمعايير المعروفة.


اقرأ أيضا


مراد القادري: كل شيء في المغرب ينطلق إلا الثقافة

14