شعريات عربية حديثة لا شعرية واحدة

الأحد 2013/12/22

هل يمكن القول بوجود نصوص شعرية عربية مهاجرة لها سمات وملامح مختلفة عن تلك التي ينتجها شعراء عرب يقيمون في أوطانهم؟

سؤال طالما شغلني وأنا أرى إلى القدر الشعري العربي متمثلاً في عشرات الشعراء العرب الذين يقيمون اليوم في أوروبا، بين لندن وباريس وبرلين وأمستردام وبروكسيل وغيرها. ويمكن رد هؤلاء الشعراء مجتمعين إلى خارطة الجماليات الجديدة في شعرية عربية حديثة قدمت انفجارها الكبير مع أواخر الأربعينات.

ولو سلمنا بمقاييس الأجيال نسبة إلى العقود المعمول بها في النقد العربي فإن المشهد الشعري العربي في أوروبا يغطي كل "أجيال" الشعر الحديث من زملاء السياب ومعاصريه حتى اليوم، مع تحفظي الدائم على مصطلح "الجيل". وهذه الصورة المركَّبة يصعب تفكيكها، لو استمر الكلام على شعرية حديثة واحدة، فضلاً عن صعوبة استقرائها، إطلاقاً، بالأدوات المعرفية والنقدية الدارجة. فنحن مع الشعر العربي الحديث برمته، في الهجرة والإقامة، نحتاج إلى وسائل قرائية جديدة ومبتكرة، وهو ما لم يحصل، حتى الآن. فكيف يكون الأمر بالنسبة إلى ظاهرة مركَّبة ومعقَّدة كظاهرة الشعر العربي في أوروبا.

لا بد، إذن، من البحث والتنقيب والتأمل بوعي نقدي مركّب، ولا بد أيضاً من القول بـ (شعريات) بدلاً من الاستمرار في توهم وجود شعرية واحدة: شعريات عربية متعددة عبر الجماليات الحديثة أولاً، ومن ثم عبر الجغرافيات. وعلى النقد أن يتحرك ويستجلي أطراف الجسد الشعري العربي الذي انفجر وتوزع في مشارق الأرض ومغاربها، بصفته انفجاراً يختصر ويلخص انفجار الجسد العربي في برهة تراجوكوميدية، أحداثها أغرب من الخيال، وأبعد من المتوقع.


***


في حالة الهجرة تدخل مقولة (الآخر) الأدب والفن والفكر المنتج في ظهراني الأوروبيين في تعقيد من طبيعة خاصة لا قِبل للخطاب الأدبي والفكري العربي به.

ويبدو أن وقتاً طويلاً سيمر قبل أن يجري استدراك ما استجد في الأدب العربي عن طريق هذه التي يحجم كثيرون عن تسميتها بـ"مهجرية عربية جديدة".

على أن السؤال الأكثر إلحاحاً بإزاء هذا اللجوء الفكري والأدبي والفني والسياسي والإنساني العربي إلى أوروبا، هو، حصراً، حول المغزى العميق له. وما إذا كان أسفر (أو هو يسفر) عن إضافات معرفية تعيد تركيب صورة (الآخر)، بعيداً عن تلك الأوهام التي صاغها حول نفسه في الحقبة الكولونيالية، بما يساعد بالتالي، على معرفة أفضل بالذات الثقافية والحضارية للطرفين، على سبيل تحديد موقعها من هذا الآخر الذي لم يعد خرافياً ولا موهوماً، لاسيما في ظل اقتحام التكنولوجيا للثقافة، وانتشارها كونياً.


***

إن السؤال حول وضعية الثقافة العربية، بين هجرة وإقامة، يحيلنا بالضرورة إلى خطورة ظهرت عوارضها في جانب من النقاش الثقافي غداة حرب الخليج في مطلع التسعينات، واستمرت إلى اليوم، عندما طرحت فكرة (الداخل) مقابل (الخارج) ورأى بعض منّا أنه بات هناك (مهاجرون) و(أنصار) في ثقافتنا العربية، وظهرت خطورة أن تنشأ معارك مجانية بين المثقفين المهاجرين من جهة، والمثقفين المقيمين من جهة أخرى. وفي ظني أن مثل هذه الفروع في النقاش يمكن أن تودي بالجدل إلى السطح، وتحرمنا من المضي في تساؤلات عميقة، تلامس غربة الانسان مقيماً ومهاجراً، وتنفتح بالسؤال على كل ما هو حقيقي وجارح في اللحظة العربية الراهنة بينما هي ترتطم بكل ما هو كوني.


***

إن الشاعر العربي المقيم في أوروبا اليوم هو صورة للآدمي وقد ضربه يأس وسكنته المرارة. فهو مقتطع من جذوره ومستسلم لهامش الحياة الحديثة، يتأمل من موقعه، عن بعد، مشاهد الحياة الغربية، غير قادر على الانخراط فيها بعمق، بل إنه أسير هامشين معاً، وهو الذي جاء من هامش الحياة العربية، حيث ظلت الشعرية العربية الحديثة ومعها مجمل الأدب العربي الحديث ثقافة تؤثر الهامش وتحيا في ظلاله، من دون أن تكون لها فعالية كبيرة في ذائقة الجمهور العريض.

هذا الشاعر الحديث، النخبوي، المطرود، الطارد نفسه من بلاده، الهارب منها، أو الراغب عنها إلى سواها، إلى حيث توهّم، أن وجوده الشخصي يمكن أن يتحقق، وحريته الفردية، كذات مبدعة، يمكن أن تصان، هو اليوم، كما يعبّر شفاهة وبياناً، نهب لقلق أكبر مما يعوزه مبدع ليبدع.

صحيح أنَّ فردية الشاعر العربي المهاجر وجدت لها تربة خصبة في مجتمعات الغرب، حيث نظم سياسية واجتماعية تقيم وزناً للفردية، وللحرية الشخصية، وحيث نمط من حياة يؤازر هذين المعنيين ويتيحهما بقوة، وحيث انفتاح للإنسان على مغامرة الوجود. صحيح كل هذا، إلا أن التطرف الذي يبديه الشاعر العربي المهاجر في الركون إلى عزلة وانقطاع عن الآخر النظير أكان عربياً أو أوروبياً، (جعله في) شرنقةٍ، وحرمه من مناخ الجدل والحوار، وتبادل الحساسيات. ولعل قسوة الحياة تدخل كسبب مبين في انقطاع الصلات بين الشعراء العرب نزلاء المدن الأوروبية الكبرى (باريس ولندن خصوصاً). ويدخل أيضاً في انقطاع الصلات وانقسام الشعراء على أنفسهم، لأسباب شتّى أولها السياسي؛ في حين لا يؤثّر في ذلك التخالف في النظر إلى الشعرية، وفي فهمها، أو إنجازها.

***

إن الشعراء العرب المهاجرين الجدد، إلا قلّة منهم، يميلون كما أفصحوا حتى الآن، إلى تبديد الأفكار والأوقات، كأني بهم وهم يسلكون مسلك العطالة والسلبية، إنما يفعلون ليتجاوب سلوكهم هذا، على نحو خفي، وحياتهم المبددة غالباً بلا كبير معنى، وفي هذا صورة من صور اليأس والقعود عن الطلب.

بينما يتركون أمر التفاعل مع محيطهم الأوروبي لأعمال المصادفة، ولبعض المغامرين بصورة خاصة، وبين هؤلاء من لم يسع نحو الآخر إلا لتقديم نفسه، أو مجموعته الصغيرة من الشعراء ليصيب معهم مكانة مزعومة في مكتبة الآخر وذائقته، ودائماً على حساب سياق شعري عربي حديث متصل منذ الربع الأول من القرن العشرين إلى اليوم، ما برح مجهولا في اللغات الأخرى.

11