شعرية الانتهاك

الأربعاء 2015/09/09

لا يمكن الحديث عن الانتهاك بوصفه حالة شعريّة إلا بعد التجرد من القيم والأحكام التاريخية والسياقات وأشكال التكريس، إذ يتضح إثر ذلك مفهوم البنية ليتمكن أحدهم كاتبا، شاعرا أو حتى إنسانا عاديا. من انتهاك بنية ما ومحاكمتها عبر إدراك قوانينها وتكريس هذه القوانين كيفما يشاء، تكمن الشعرية في الانتهاك عبر المغالطة التي يخلقها، ففجأة، تفتت القيم والمعايير إثر استخدامها بشكل آخر، مبولة “مارسيل دوشامب” المشهورة هي المثال الأوضح على ذلك، انتهاك البنية الفنية المكرسة في فترة ما في سبيل إعادة إنتاج قوانينها غيّر قواعد اللعب ويجعل مبولة يمكن شراؤها من أي مكان تتحول إلى عمل فنّي.

نعم، إنه لَعب، هي لعبة ولها قواعدها، لكي تنجح عليك الانصياع للقواعد، وهنا يبرز سؤال الشعريّة، إلى أيّ حدّ يمكن الانصياع لهذه القواعد والأشكال وعدم مصادمتها في سبيل التغيير؟ وهذا ما حدث في حالة المبولة، تقمُّص القواعد وفرضها ثم مخالفتها بصورة ساخرة لانتهاك هذه القواعد نفسها، في حالة دوشامب كان الموضوع مقصودا.

إلا أن قوانين اللعب اختلفت، أصبح الانتهاك أكثر تهكما منه إلى رغبة في التغيير وزعزعة المكرّسات، المؤدي السوري، عمر سليمان، هو المثال الأوضح، مغن شعبي بسيط من البادية السورية يغزو أهم نوادي أوروبا وحفلاته تقام في كل أنحاء العالم، أين تكمن أهميته، ما يقدمه ليس فنا بمعناه الجمالي، هو مجرد توليفة اكتسبت شعبية لغرابتها، إلا أن التهكم يكمن في تكريسه، ماذا لو حوّلنا شخصا ما إلى ظاهرة عالميّة دون أن يكون ذا قيمة، ماذا لو أن القائمين على اللعب قرروا ذلك واختاروا الترويج للتفاهة، سليمان ووجوده كبنية فنية لا يحملان أي معنى، لكن كظاهرة فهي مرتبطة بسياق تاريخي وجغرافي يجعل الفنان يكتسب الانتشار، السخرية هنا على مستوى البنية، مؤسسات وأفراد من “ذوي النفوذ” قرروا جعل أحدهم ينتهك الساحة الفنية ويتحوّل إلى ظاهرة، أو أن الأمر مجرّد مصادفة.

الانتهاك ذو حضور آخر أيضا. أكثر قسوة وشعرية، هو تسلل رقيق، حالة لا يكتشفها إلا من يقوم بها أو بعض ممسوخي حس الفكاهة والتهكم، أليس تهكما أن نرى رجالا. يشوون فوق النار؟ المشكلة في هذا النوع من الانتهاكات أنها ليست مضحكة، حيوات بشريّة تتم المقامرة بها، هي مضحكة على مستوى سوداوي جدا، الطبيعة الإنسانيّة هنا تفقد قيمتها لتتحول لانتهاك للإنسانية نفسها ومفاهيمها، الموضوع يتجاوز عملا فنيا أو أغنية أو بنيّة فكرية، بشر يتحولون إلى أداة لاستعرض الأفكار، الشعريّة هنا، تكمن في تفعيل العناصر البشرية وتحولاتها التاريخيّة كقيمة مركزيّة، نحن أمام أفعال واقعية تحاكي المتخيّل أو الخرافي/ الأسطوري لانتهاك المعتقدات الإنسانية عبر استعادة ظلاميّة لها.

الانتهاك هنا ليس عملا فرديا، فالبنية متكاملة تنتهك الجغرافيا والسياسة والإنسان، الانتهاك يكون شعريا عندما يكرس قوانين “اللعب” ويفرض شكلا “خارجيا” لكنه ينصاع لهذه القواعد، هي معادلة صعبة التحقيق، والمصادفة تلعب دورا كبيرا فيها لكن هذا لا ينفي أن لا تكون مدروسة أحيانا، أما الشعريّة فتظهر ضمن خلل بشري أو مؤسساتي أو حتى ظاهراتيّ، وذلك عندما تنفلت إحدى الشواذ من القاعدة وتكرّس، ليتحول ما كان بداية لا يصدق أو محل تهكم إلى حقيقة، ويتجاوز مخالفته للقاعدة حدّ تفكيكها ثم إعادة تكوين البنية بحيث ينتج نفسه بصورة أقوى ترسخه ضمن هذه البنية، تحديد مواقع هذه الانتهاكات وما تحمله من تهكم عملية صعبة ولاإنسانيّة، والتورط فيها هو ترسيخ لها بصورة ما، حتى اقتصر الأمر على الإشارة إليها، هي أثر لا يبرز إلا كلما ازداد امّحاؤه، وتعيينه يعني التواطؤ ضمن قواعده وجعله مركزيا.

كاتب من سوريا مقيم في باريس

14