شعرية اللحم البشري في أعمال كيكي سميث

فنانة أميركية تبحث في تحولات الجسد وعلاقته بالطبيعة والسياسة والموت.
الأحد 2019/12/08
النوم والانحلال في مكونات العالم

باريس – تنحدر الأميركية كيكي سميث (1954 – الآن) من عائلة مرموقة في الوسط الفني الأميركي، فأبوها نحّات وأمها مغنية أوبرا، لكن كيكي إثر رحيل والدها ثم أختها حوّلت ممارساتها الفنيّة إلى مغامرة لاكتشاف الجسد البشريّ، وخصائص اللحم وتحولاته، إذ ركزت على الأعضاء وأشكالها، ثم السوائل وما يمكن أن تحمله من خصائص تنتجها المؤسستان الطبيّة والسياسيّة، جاعلةً من العملية الفنيّة مغامرةً جماليّة لا تعلم نهايتها، بل تخوضها إلى حين الوصول إلى لحظة الرضا، تلك التي لا تتوقعها من قبل، والتي يمكن أن تجعل العمل على قطعة ما يمتد لسنوات أو بضع ساعات.

يستضيف متحف العُملة في باريس معرضا استرجاعيا لسميث التي لم يسبق لأعمالها أن وجدت بهذا الكم في فرنسا وفي مكان واحد، إذ نُشاهد العشرات من أعمالها التي تمتد فترة إنتاجها من ثمانينات القرن الماضي وحتى الآن، هذه الأعمال مستوحاة من تاريخ الجسد والحكايات الشعبية والمتخيلّة التي ترسم إدراكنا لذاتنا، الأهم أن سميث تعتبر واحدة من أعلام النسويّة الفنية، كونها ترى في الجسد الإنسانيّ امتداداً للطبيعة، لا مجرّد موضوعة سياسيّة وثقافيّة ذات أدوار مضبوطة، وهذا ما ينعكس في أعمالها بعد عام 2000 والتي يتداخل فيها الجسد المؤنث مع ذاك الحيوانيّ لتشكيل كائنات هجينة لا تنتمي إلى الأنظمة الثقافية التقليديّة.

ما إن نخطو إلى متحف العُملة حتى نرى في المدخل منحوتة لسميث بعنوان “الشمس، القمر، النجوم وغيمة”، وهي تنتمي إلى مرحلة الألفية الثالثة من أعمالها التي تحاول فيها اكتشاف الحدود بين المكوّنات الطبيعية، واعتماد أشكالها لخلق أغراض للزينة يجمعها هيكل الجسد البشريّ والحرفة اليدويّة الدقيقة، ذات الأمر في المنحوتة الثانية الموجودة في المدخل بعنوان “وقفة”، والتي نرى فيها تمثالا من البورسلان لامرأة جالسة، وحين نقترب منه نقرأ أنه عمل واحد من أصل تسعة أعمال أنجزتها سميث من قبل، أشبه بسلسلة صور ضمن لقطة واحدة، ليأتي التمثال الواحد كأنه وقفة في الزمن السينمائي الذي لا يمكن تجسيده عادة.

سكون الطبيعة

الأعمال مقسّمة في المعرض بحسب الموضوعات إذ نشاهد مثلاً عمل تجهيز يتألف من عدد من المنحوتات البرونزيّة بعنوان “امرأة مع ماعز” والذي يبدو للحظة الأولى بريئاً ونقيّاً، لكن حين التركيز فيه نرى أن النوم قدري نوعا ما، ويمكن القول إننا أمام وضعية تتجاوز النوم والصحو، فأجساد النساء أقرب إلى جذوع الشجر، وكأنّهن “مسالمات” لدرجة أن الماعز قادر على التنقل بينهن دون خوف، فالنوم هنا إن صحت تسمية النوم، بديل عن وضعية طبيعية يكون سكون الجسد فيها أشبه بسكون الطبيعة، نقيّا لا خطر فيه، وهذا ما نراه في تخطيط أنجزته سميث لامرأة تعانق ذئباً وكأنهما ينتميان إلى عالم واحد لا عداوة بينهما ضمنه.

تحولات اللحم

تأريخ للكائنات
تأريخ للكائنات

نتعرّف في المعرض على تقنيات التشريح التي تستخدمها سميث والتي هيمنت على أعمالها في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، إذ حاولت حينها أن تختبر قدرتها على تمثيل اللحم البشري، وتأثير ذلك على إدراكنا له، عبر تشكيل أعضاء داخلية أو خارجيّة منفصلة، تهدد رؤيتنا للجسد الإنساني بوصفه كلاّ متماسكاً، لنراه ضعيفاً وهشاً ومكشوفاً في المنحوتات الزجاجية والورقيّة، التي تكشف ما هو مُخبأ أو منفي ومقرف، في رهان على جماليات القبيح وأثره الجسديّ على المتلقي، كما الأقدام الزجاجية المقطوعة التي تحرك فينا رعب من نوع ما سببه الخوف الفطري من فقدان قطعة من الجسد.

التساؤلات السابقة عن “اللحم” وشكله الخارجي نراها في منحوتة “مريم العذراء” التي تظهر فيها خطوط اللحم وكيفية اتصاله ببعضه البعض، إذ نزعت سميث الغلاف الجلدي عن اللحم، لإظهار داخله، مُستخدمة مقاييس حقيقة لجسد بشري لإنجاز المنحوتة، كاشفةً المُخبّأ والخفي، ومُسائلة قدسيته وفاضحة ضعفه، أما الجلد فنراه لاحقاً مسجّى في عمل أيضاً لا يحمل اسماً، نتعرف فيه على “خلف” الجلد، أو القسم الداخلي منه الذي يلتصق باللحم، ليتحول هذا الغلاف إلى رداء أو شكل من أشكال التنكر الذي ما إن ننزعه حتى تتلاشى خصائصه الثقافية، تلك التي يُصنّف إثرها الناس على أساس لونهم وملامحهم لأسباب سياسيّة بحتة، ذات الأمر نراه في اللوحة التي “تفرد” فيها جلد وجهها، بوصفه مجرد “زيّ” يمكن التلاعب به، مشيرة إلى أن تغيير الشكل لا يعني نفي الخصائص البشريّة عمن يرتدي هذا “الزيّ” وكأن الأمر تنكر مبتذل لكننا لا نستطيع التخلص منه.

ضد الأيقونة الدينية

رثاء لزمن الساحرات
رثاء لزمن الساحرات

نتلمّس في بعض أعمال سميث تعليقاً على الظاهرة الدينيّة، كما في الميداليات التي صكتها، لكن أشد الانتقادات وضوحاً هي منحوتة “بلا عنوان”، والتي نرى فيها جسداً نصفه الأعلى امرأة والأسفل رجل مصلوبٌ على الجدار دون صليب يحمله، لتبدو سميث وكأنها تسخر من أشكال الزينة المنزلية الداخليّة المشبعة بالأيديولوجيا الدينيّة، في ذات الوقت تستخدم الورق والكرتون لخلق ملمس الجلد البشري مع الإشارة إلى هشاشة هذه الأيقونات الكنسية، التي تجعل من جسد معذّب محرّك لأفكارها وتطلعاتها، كاشفة أن الأيقونات كالورق، يمكن لها أن تتلاشى مع ما تختزنه من موضوعات، وهذا ما يُحيلنا أيضاً إلى طفولتها، إذ قضت كيكي سنواتها الدراسيّة الأولى في مدرسة دينيّة، شكّلت لديها موقفا شديد النقديّة لأنظمة التربية الدينية.

نشاهد في واحدة من الصالات آخر أعمال سميث، وهي مجموعة من السجادات التي قامت بحياكتها يدوياً، والتي تمثّل سلسلة من اللوحات عن علاقة المرأة مع الطبيعة في محاولة لتحريرها من السياقات الذكورية التي تحدّق بها، وهنا يظهر استخدامها للنسيج والحياكة بوصفها مهنا “نسائية”، لكن ضمن هذه السجادات نرى نساء “يسبحن” في الهواء، وكأن “الطبيعة” ملاذ أخير حرّ من أي سطوة سياسيّة، ليكون جسد المرأة جزءا عضويا من متخيلنا عن الطبيعة، أو أيقونة تدور حولها العناصر الحية وغير الحيّة، وهذا ما نراه لاحقاً في المنحوتات البرونزيّة التي نجد فيها امرأة تولد من غزالة، لتبدو “غايا” ومكوّناتها أشبه بكتلة قادرة على تكوين “الاختلاف” وإنتاج أشكال متنوعة من الحياة قائمة على امتداد اللحم وتمايزه عن أصله.

أكثر الأعمال إثارة للاهتمام في المعرض هي تلك التي نرى فيها جسد امرأة على كومة من حطب، في استعادة لطقوس حرق الساحرات التي قتلت إثرها الآلاف من النساء في العصور الوسطى، لكن ما تفعله سميث أنها تقدّم تصوراً آخر، فالمرأة على قمة الكومة تجلس على ركبتيها، فاتحة يديها وكأنها تُصلب، هي ضحية رعب مجتمع ذكوري رأى في الساحرة شرّا وشيطانا لا بد من حرقه، لكن الاختلاف أن المنحوتة بأكملها من خشب، وكأن جسد المرأة هنا امتداد لمكوّنات الطبيعة، سواء كانت خشبا أو تحوّلت نارا، فالمرأة جزء جوهري من العالم مهما اختلفت أعراضه وأشكاله، كما أن الإتقان في نحت جسد المرأة مع بدائيّة ترتيب الحطب، يعكس التصوّر الهشّ والساذج الذي تمتلكه الرجولة عن نفسها، فهي بنيان هش لصناعة النار/ الخراب تعتليه امرأة “متقنة” قادرة على التحوّل والاختلاف.

تقول سميث إنّ ما دفعها لرسم الحيوانات هو زيارة قامت بها إلى جامعة أوكسفورد، وهناك التقت بواحد من العلماء الذي أخبرها عن مستقبل البشرية في حال انقرضت الحيوانات، ما دفعها للتركيز على رسمها وتشكيلها بوصفها جزءا من استمرارنا ككائنات، لتأتي لوحاتها والسجاجيد التي تحيكها أشبه باستعادة نوستالجية لزمن كانت فيه الطبيعة وكائناتها في تناغم تام، وكأنها تسعى إلى تخليد ذكرى الكائنات التي قد تختفي يوما ما.

تقنيات مختلفة
تقنيات مختلفة

 

14