شعرية تشكيل الخطاب وجدل الغنائي والتأملي

الأحد 2014/06/15
فوزية أبو خالد لم تبارح محبرة شعرها المرهفة النافرة

تجمع الفراشات الراقصة حول بريق الضوء، وتذهب أمامها لاقتراف أزهى حالات مقاربات الجمر، لا تشتعل وحيدة بل تأخذنا معها إلى ذلك البهاء، لنشتعل معاً قبل أن تتمكن هي من لملمة شظايا فراشاتها عن تلك التهلكة.

تحلّق مع الطير في الأعالي، وترى أبعد مما تبصره أجنحته المرفرفة في فضاء الواقع والمتخيّل على السواء. ومثلما تمتطي حصان المغامرة والسفر إلى التخوم القصية، فإنها تجر خطامه إلى بعض محطات عقلانية التعاطي مع السائد، محتفظة، بمكنونها الرائي النقدي، لكل شيء.. للذات.. للأصدقاء.. وللكينونة الاجتماعية برمتها.

فوزية أبو خالد سؤال دائم التشكّل والفوران، لا يهدأ إلا لكي يطلق قدراً أكبر من حيوية الجدل والتأمل والإبداع، فيما يتفق معه قارئها (من مختلف المشارب) أو يختلف.


الوجود الأنثوي


أشير بإيجاز إلى ملمحين ساطعين من مظاهر تشكيل الخطاب الإبداعي والثقافي الذي تنتجه، د. فوزية أبو خالد، كمثقفة عضوية بامتياز، وكمبدعة دائمة التجدد والتجاوز، وهما “شعرية تشكيل الخطاب”، و”جدل الغنائي والتأملي في إبداعها الشعري”. وأبدأ بأولهما: شعرية تشكيل الخطاب.

يتذكر جيلنا الذي اقترب من عتبات الستين، أن فوزية أبو خالد “قد بدأت الكتابة الصحفية مبكرة، في عمودها “قطرات” في جريدة ” عكاظ ” منذ عام 70 من القرن الماضي، رغم محدودية خبرتها وتجربتها الحياتية، لكنها استكملت عدة الكتابة الإبداعية والثقافية سريعا في مرحلة إبداعها لديوانها التأسيسي الأول ” إلى متى يختطفونك ليلة العرس” الصادر في بيروت في عام 1973. وبذلك الإنجاز وضعت الشاعرة ترسيمة بنيوية لكتابة نصها الإبداعي في حقل الشعر، ينهض على مقومات بنائية عديدة، منها:


الانحياز المبكر والحاسم لكتابة قصيدة النثر (في مناخ ثقافي مضاد لكتابة قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر على السواء) وإنجازها لكتابة نص شعري سك مقدماته رواد كتابة قصيدة النثر، يقوم على رهافة التعبير الشعري، وطزاجته، واقتصاده في الكلام، واعتماد بلاغة اليومي عوضا عن بلاغة القاموس، واستثمار كتابة الإيجاز والتكثيف لخلق فضاء دلالي للنص متعدد القراءات والتأويلات.


تميزت بصدق الانفعال بالتجربة الفنية، وحميمية التعبير عن مخاضاتها الكتابية حتى تبدت تلك الحميمية جزءاً من عواطفها وكينونتها الماثلة، لا فرق في ذلك إن اشتغلت على مسائل شخصية يومية، أو قضايا وطنية أو إنسانية أو قومية كبرى.


تعميق حضور كاتبة النص “الأنثى” عبر تمظهرات حسية الوجود الأنثوي، في سياق مفردات تشكيل الصورة ومرجعياتها الدلالية، ولعل شاعرتنا واحدة من أبرز المحتفيات به، والذي لم يكن حينها في السبعينات متبلوراً بشكل واضح كما نعهده اليوم.

وللتدليل العابر على هذا الحضور، أشير إلى ما تحتفي الشاعرة به لتأثيث الصورة الشعرية، من مثل: الأمومة وحضور “أم محمد الجزيرية”، واستدعاءاتها لحالات شديدة الارتباط بالأنثى، مثل، آلام الحمل والولادة، وحبل المشيمة، وحليب الرضيع، والصدر المترع بالحليب، ومشاغل المطبخ ” حيث طاشت القصيدة مثلما طاشت خميرة عجينة غداء العائلة”، ودروس الصغار وشجاراتهم، وانتظار الحبيب، مثلما برزت تلك الهوية الأنثوية في ديوانيها الأخيرين من خلال ما استنطقته من” شجن الجماد”، وما كتبته عن ” تمرد عذري”، لما يجد مرجعياته، بكل وضوح في عالم المرأة، كما أن تلك الخصيصة الواضحة تبرز أيضاً عبر الإحالات إلى هموم المرأة وقضاياها، لكي تتظافر كل هذه المكونات في تشكيل مآلات الخطاب الشعري والثقافي الذي أنجزته.


هيمنة كتابة بنية النص الشعري على منجزها في حقول معرفية أخرى اشتغلت فيها على الهموم الإنسانية والوطنية والقومية كبؤرة دلالية، وظلت نواة تشكيل خطابه، جماليا، منشدّة إلى تلك الهيمنة وذلك الألق.


المرهفة النافرة


وهنا يمكننا القول إن فوزية أبو خالد لم تبارح محبرة شعرها المرهفة النافرة، في كل ما قاربته من آفاق تجليات الكلام، حيث أن قارئها، الذي يستمتع برهافة انفعالها الوجداني في كل جملة شعرية بغنائيتها المنسابة أو الصاخبة وبتجلياتها التأملية العميقة، وبمفارقتها الجارحة، سوف يستمتع، ذاته، بما تكتبه في الحالات العفوية.. في رسالة، أو إهداء، أو تعليق على حوار، مثلما سينفعل بسيمائها ماثلاً في الكثير من عملها المثابر المخلص على الهم الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي في مقالات الرأي التي كتبتها بانتظام طوال حياتها الثقافية إلا ما منع، بل وحتى في دراساتها ورسائلها الأكاديمية.

كما أود التأكيد هنا، على أن ” فوزية أبو خالد ” قد استثمرت طاقة ما تتوفر عليه من ممكنات شعرية الخطاب لتدوين رسالتها، لا لكي تحتمي به كشفرة شعرية من أجل تعويم الدلالة، أو الهروب من تبعات المكاشفة، وإنما لتوظيف فاعلية الجمالي بديلاً عن الوعظي أو الأيديولوجي، لتوصيل محمولاته الوجدانية والتعبيرية والحسية، من أجل استثارة مكامن استقبال النص لدى قارئها، شكلاً وتعبيراً.


الغنائي والتأملي


الذائقة كينونة شديدة الحيوية، تغتني وتتجدد، مثلما تتمرد وتغير، وفق مرتكزات عديدة تلعب فيها ثقافة المبدع وقابليته للمراجعة والتجديد، دوراً رئيسا، إلى جانب تأثير متغيرات العصر وأدواته الاتصالية، على المستويين الفردي والجمعي، في آن.

وحيث لعبت الغنائية دورها الطويل في تشكيل الخطاب الشعري والثقافي لشاعرتنا، فإنها قد انزاحت عن تلك الاستراتيجية النصية إلى أفق آخر لا يقطع حبال وشيجة الصلة بين المكون الاساسي وتفرعاته التالية، وإنما يعمق فاعليتها ويغنيها، حيث نرى إلى تجربة جديدة يمكن توصيفها بتجربة الكتابة التأملية.


استنطاق الجماد


وفي ديوانها ” شجن الجماد” ما يجلي ذلك الانزياح، حين ذهبت إلى استنطاق ” الجماد” للتعبير عن مخاض شعري مختلف، مثلما تصادمت مع أطياف ذكرى شخصيات حضرت في تكوينها المعرفي والوجداني والشعري، لإبداع قصائد ديوانها الجديد” تمرد عذري”.

ولما اختطف مني ديوانها الأخير” تمرد عذري ” كاختطافة ” ليلة العرس ” – وتتحمل الشاعرة تبعات ذلك الاختطاف- فإنني سأركز هنا على ديوان “شجن الجماد”، المعبر بامتياز عن مرحلة كتابتها الجديدة، مشيرا في الوقت نفسه إلى احتفاظ الشاعرة بأهم خصائص تجربة الكتابة الغنائية والكامنة في صدق التفاعل، وحرارة التعبير عن التجربة وهي تقارب كائناتها الشعرية وقضاياها الثقافية على السواء.

حين قرأت ديوان فوزية أبو خالد” شجن الجماد – الجديد في كل شيء – لم أرد لمقدمته التي كتبتها الشاعرة أن توجه بوصلة حميمية تفاعلي مع القصائد، ولذا تجاوزتها، حتى أكملت الديوان في عدة ليالٍ.

وحين أكملت قراءة الديوان، خبأته بعيداً عني، واكتفيت باستعادة ومضاته التي انزرعت كعين ثالثة تطل من (الأشياء / الجماد ) إلى عيني، كلما أزحت كرسياً أو أضأت مصباحا، أو حركت ستارة أو شاهدت ساعة معلقة على الجدار، أو حذاءً مندساً تحت السرير!

فوزية أبو خالد سؤال دائم التشكّل والفوران، لا يهدأ إلا لكي يطلق قدراً أكبر من حيوية الجدل والتأمل والإبداع، فيما يتفق معه قارئها (منمختلف المشارب) أو يختلف!


الأشياء والمشاعر


والشاعرة في ديوانها الجديد، لم تتأمل الأشياء أو تستدعي الكلمات للتغزّل في جماليات تشكّلها، بل ذهبت إلى أقصى من ذلك، حين زرعت في قلب قارئها عيناً ثالثة لم تكن له من قبل، لكي ينصت لما يمكن أن تقوله الأشياء/ الجماد.

أن يسعى الشاعر بدأب “أيوب” وطيش المغامر، لتجاوز منجزه الشعري، إلى مجاهل غير مألوفة، فذلك قدر المبدع، وضرورة من ضرورات تطور الإبداع، ولكن أن ينتقل الشاعر من شبكة علاقات دلالية، ونسق كتابة جمالية، وإنسانية أخلص لها زمناً طويلاً ويترحّل إلى آفاق بكر، ومفاجئة، فذلك ما يحفز أسئلة مضمرة لكي تطل برؤوسها من قصائد الديوان.

وهنا يحق للقارئ أن يتساءل: هل غادرت فوزية أبو خالد موقعها النقدي الكامن في هجاء ما يعيق تطور الإنسان وامتلاكه لحريته ومصيره ولجأت إلى استنطاق الجماد ليعبر عن معاناته، سخرية أو نقداً مصادماً؟ هل يئست من الإنسان والتجأت إلى الأشياء، ولسان حالها يستعير بيت الشاعر الذي قال ” لقد أسمعت لو ناديت حياً”!؟

كانت هذه الأسئلة تراودني أحيانا خلال استمتاعي بهذه التجربة الشعرية المختلفة، بيد أنني حين قرأت مقدمة الديوان، التي أغفلتها، وجدت ما يمكن أن يكون إجابة حارقة ومدهشة أيضاً!

تكتب الشاعرة في مقدمة الديوان:” لم أكن أعرف شيئاً عن مشاعر الأشياء وشجنها، حزنها، نوبات الجنون التي تجتاحها، فتفتتها إلى ما يشبه مسحوق الرماد أو تشعلها حريقاً لا يطفئه رمل ولا ماء، إلا حين تسللت إلى حجرة “محمد” بعد أن ابتعدوا به إلى الأبد. كانت أشياء “محمد ” تنتحب نحيباً ضارياً يفضح ما في الصمت من لغات طاغية لا يطيق البكاء ولا الكلام حمل فحيحها…

كانت الساعة المعلقة خلف سريره وقد أدار لها ظهره قبل رحيله بأعوام طويلة، تسابق بهلع، المسافة بين العقربين، قبل أن يبتعد به المشيعون، وكأنها لا تصدق أنه ذهب على غير موعد دون أن يأبه لانفطار قلبها واسترحام دقاتها”…


الرحلة المعاكسة


غاب الفقيد فتبوأت عين الشاعرة موقعه في تأمل مخلوقات الجماد التي بقيت بعد رحيله وكأنها في حالة حداد ليس له منتهى. رثت الشاعرة شقيقها محمد في قصيدة واحدة وهي أطول قصيدة نثر جاءت في ديوان كامل “مرثية الماء”، ثم جاء ” شجن الجماد ” ليستقر في موقع إضافي لاحق من مكونات شعرية مجددة، لعين رائية أخرى، فانهمر القطر من ساعة “محمد” التي قالت لنا:

“الكل يشتكي برد الشتاء/ أرق الليل/ كسل الظهيرة/ صهيب الصيف/ أمراض العصر/ سأم السهرة/ صعوبة الامتحانات/ غدر الأصدقاء/ تفاهة الفضائيات/ أشواق الفراق”.



….

….


لكنني

أتركهم يلوكون

قات الوقت

واستمر في الركض

عكس أعمارهم”.


149 نصا شعريا، في مجموعة واحدة يكتبها شاعر واحد بعيون كثيرة، وفق نسق حالة شعرية تنتظمها من الضفة إلى الضفة، في تكاملية لا يتقنها الهواة، وإنما الراسخون في التجربة الإنسانية والمعرفية، فلم تكتف بتأمل جماليات المادة وحسب، ولا أنسنتها بإدماجها في تفاصيل الانفعال الوجداني والجمالي، بل حلّت روح الشاعرة في قلب الأشياء – في رحلة تصوف معاكسة لما عرف عن روحانيات التصوف- لينتزع حرفها من صمت الجماد جوهر المفارقة التي لازالت لتكتشف!


* شاعر وناقد من السعودية

13