شعر اللغة والجملة الجديدة

الثلاثاء 2015/06/02

ضد القصيدة في أشكالها التقليدية، جاء شعر اللغة. ومن رحم تجريبيّة راديكالية، يسارية في الغالب، وطليعيّة ما بعد حداثيّة، ولدت هذه النزعة الثائرة على "البنية الاجتماعية والسياسية الكامنة في القوة الأمبريالية للغة الإنكليزية". مفتونين بأشعار غيرترود ستاين وعزرا باوند ولويس زوكوفسكي، وكتابات بارت ولاكان وفوكو، سعى شعراء هذا التيار إلى تأكيد لغة القصيدة، (اللغة- لذاتها... وليس اللغة- في ذاتها)، وإلى إيجاد طرائق وتنويعات جديدة، بالنسبة إلى القارئ، كي يتفاعل معها.

وبما أنّ اللغة -عند كبار منظّري التيار، كلين هجينيان، على سبيل المثال- لا شيء سوى المعاني، فإنّ اللغة هي التي تُملي المعنى، وليس العكس. كما أنّ الشاعر لا ينظر إلى تلك المعاني سوى من حيث هي تدفق للقرائن والسياقات، ليس إلّا. فلا شيء يقع خارج اللغة، ولا تفسيرات محتملة إلّا في ضوء تلك التدفّقات التي "لا تلتحم صورا إلّا نادرا، والتي لا تخضع لشروط معيّنة إلّا نادرا كذلك". "إنها تحوّلات، واستحالات، وإشراق الدلالة الأبديّ".

ولكي تكون الطرائق الجديدة والتنويعات المبتكرة فعّالة، سعى شعراء اللغة إلى إشراك القارئ في النص، مؤكدين أهميه هذه المشاركة في بناء المعنى. فمن خلال كسر اللغة الشعرية -أو عبر تدمير الطبيعة الوظيفية العفوية للغة، فلا يبقى منها سوى أسّها المعجميّ، بحسب رولان بارت- يطلب الشاعر من القارئ أن يجد طريقته الجديدة في مقاربة النص.

شعر اللغة، إذن، هو شعر في درجة الصفر. كتابة في أقصى طاقات الأشكال المفتوحة، وفي أقصى احتمالات وجودها. فلا أفكار متناسقة في القصيدة البتّة. فهي عشوائيّة، متلاطمة، وكاتبها غير موجود. إنها قصيدة "ممّا يبدو أنه كلمات وعبارات"، وما القارئ سوى "عنكبوت تجاهد في نسيج خيوطها هي، مختنقة بالمعنى". إنها -وفق فوكو- ألعوبة تتحرك، وعلى نحو حتميّ، أبعد من قواعد نظامها الخاصّ. تتحرك لتنتهك أسس بنيانها، وتتركها، متهتّكة، خلفها. كما أنها لا تسعى إلى مشاعر باذخة تفرضها الكتابة، في حدّ ذاتها، أو إلى إقحام موضوع ما في اللغة. بل على العكس. إنها -ووفق فوكو أيضا- منهمكة، في المقام الأول، بإيجاد كوّة تتلاشى فيها موضوع الكتابة إلى الأبد.

ولقد أولى شعر اللغة اهتماما خاصّا بقصيدة النثر؛ فهي "الجملة الجديدة"، كما بشّر بها رون سيلمن، في مقالته الشهيرة التي حملت الاسم ذاته. فإذا كان البيت المتشظّي، أو السطر المتقطع، هو الذي ينظم القصيدة في الأشكال المفتوحة، عند شعراء هذا التيار، وليس المقطع الشعريّ -كما هي العادة في قصيدة الشعر الحرّ، على سبيل المثال- فإنّ الفقرة، عندهم، هي التي تنظم الجمل التي لا تأخذ تأثيرها إلّا عندما تجاور بعضها البعض. تصبح الفقرة، حينئذ، وحدة قياس، لا وحدة منطق أو مجادلة. ولا يتصاعد معنى الجملة المستقلّ بذاته، وفق بوب بيرلمن؛ ولا يصبح موضع تساؤل، ولا يتغيّر، إلّا بمقدار درجات الانفصال والتواصل التي يدركها القارئ حيال الجمل المجاورة. هنا، يكون الإرداف؛ إهمال أدوات الربط في الجملة، مسألة حاسمة.

فعبر التوتّر الذي ينجم بين السرد وهذه الأدوات، يسعى الشاعر، في "الجملة الجديدة"، إلى إعادة تعريف الأنواع الكتابيّة، في ضوء تعريف الدالّة -حتى وإن كانت مساحة بيضاء- بوصفها موضع المعنى الأدبي في حدّ ذاته. ولا يفعل ذلك، كما يقول سيلمن، إلّا بقلب الديناميّة التي كانت مرتبطة، منذ أمد بعيد، بطغيان المدلول واستبداده، فتكون قادرة على دمج جميع مستويات اللغة، تحت أفق الجملة وفوقها.

وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على ظهوره في أميركا أواخر ستينات القرن العشرين، فإن شعر اللغة مازال، حتى هذه اللحظة، موضع جدل كبير. فالبعض لا ينظر إليه إلّا بوصفه ألعابا لغوية فتغنجشتيّة، وطرائق تعتمد على متواليات رياضية لا تصلح لكتابة الشعر. بيد أنّ الاستقبال الحافل الذي حظي به شعر اللغة، في ثمانينات القرن العشرين وفي تسعيناته، كحركة إبداعية مهمة، يشي بغير ذلك.

خرجت الحركة من ظلال راديكاليّتها، لتصبح في قلب المؤسسة الرسمية التي هاجمتها، فأصبح مناصروها يدرّسون الشعريات والكتابة الإبداعية والأدب الإنكليزي في كبريات الجامعات الأميركية. وهي ليست مفارقة ساخرة البتّة، بقدر ما هي دليل على استطاعة هذه النزعة الثورية خلخلة البنى الاجتماعية والسياسية لإمبريالية اللغة المسيطرة.

شاعر ومترجم من فلسطين

14