"شعر لا ينتهي".. أن تخسر كل شيء يعني أن تكون شاعرا

الثلاثاء 2017/11/14
نيرفانا سينمائية

باريس- صدر مؤخرا الفيلم الثاني من السيرة الذاتية للمخرج السينمائي التشيلي أليخاندو خودورووفسكي بعنوان “شعر لا ينتهي” والذي بدأ تصوريه عام 2015، وعرض في مهرجان كان العام الماضي، وهو من بطولة خودوروفسكي نفسه وابنه آدان، وفيه يخبرنا المعلم الروحي خدوروفسكي عن حياته كشاب اختار أن يكون شاعرا في ماتوكانا في العاصمة التشيليّة سانتياغو والصعوبات التي واجهته كونه نذر حياته للشعر، لنشاهد ضمن صيغة بصرية تشابه فيلمه الأول “رقصة الواقع″ (إنتاج 2013) رحلة شاب يقرأ لوركا سرا ويرفض مساعدة أبيه في دكان بيع الثياب الداخليّة، وصراعه مع أسرته ومحيطه الاجتماعي من جهة ومع ذاته من جهة أخرى.

ويرسم خودوروفسكي مدينة شبابه، ماتوكانا، بصورة غرائبيّة مضخما تفاصيلها ومبرزا طبيعتها العبثيّة، إذ يعيد تكوين المدينة بصريا عبر الأزياء وأحيانا اللوحات التي تغطي الأبنية ليستعيد فضاءات شبابه في أربعينات القرن الماضي، حينها كانت تشهد البلاد كسادا اقتصاديا وخاضعة للهيمنة السياسية.

وهذه الفضاءات لا يمكن الحديث عنها ضمن مقال واحد، كونها أقرب إلى سلسلة من اللوحات السريالية التي تحتاج إلى صفحات لفك رموزها، لكن منذ العنوان بإمكاننا فهم الصراع الذي كان خودوروفسكي يعيشه في تلك الفترة والذي يتمثل في السعي نحو التحرّر، عبر رفضه لتعليمات والده الصارمة ورفضه دخول كلية الطب، إلى جانب المضايقات المختلفة التي كان يتعرّض لها من محيطه.

خودوروفكسي يفكك ذاكرته ويعيد ترتيبها في سبيل خلاصه الآن، وكأن الذاكرة هي آخر قيد له

ومن هناك يبدأ خودوروفسكي بتحدّ ما يحيط به، وكأن الشعر يبدأ بالرفض والمواجهة، هذا التحدي ومحاولة إيجاد “الشعر” يمتدان على طوال الفيلم، فبعد أن يترك منزل أهله يبدأ المخرج التشيلي الشاب باختبار الحياة كشاعر، كشخص يسعى لخلاصه الذاتي عبر القصيدة، ساخرا من المؤسسة الرسمية والرموز القائمة والسلطة السياسية، وكأن الشعر يعني أن لا تستكين، بل أن تختار طريقك وتمشيه حتى النهاية، كما فعل خودوروفسكي الشاب مع صديقه الشاعر نيكانور بارا حين اختارا أن يمشيا بخط مستقيم لقطع المدينة بأكملها دون أي انعطاف.

بعد أن ترك خودوروفكسي منزل والديه انضم إلى مجموعة من الفنانين وبدأ بصناعة الدمى، لكنه لا يجد ضالته، لنراه بعدها يسعى للبحث عن ملهمة يجدها لاحقا في حانة للشعراء، علاقته معها تفتح بصيرته على عوالم أخرى من العنف والشغف واللذة، لنراه يفقد نفسه بعدها ويقرّر تركها، هو لا يريد أي قيد أو تشويش على تجربته، وكأن الشاعر في سعي دائم للانفلات، لا مجال لتقييده، وكأن الشعر لعنة، كلّما حاول الشاعر الانفلات منها ازدادت تضييقا عليه، وهذا ما يحصل مع خودوروفسكي بعد أن فقد الأمل في مدينته، إذ يقرّر الذهاب إلى فرنسا والانضمام إلى أندريه بريتون حيث سيصبح جزءا من السرياليين، وبالرغم من أنه لم يكن يتحدّث الفرنسية حينها، إلاّ أن قرار الرحيل لا تراجع عنه، فبالرغم من شجاره الحاد مع والده يرحل تاركا وراءه كل شيء.

أن تكون شاعرا يعني أن تكون مستعدا لخسارة كل شيء، كل احتمالات الخسارة قائمة في سبيل الشعر، هذه الخسارات ليست تراجيديّة سواء كانت على الصعيد الشخصي أو المادي، بل هي خطوات نحو الطفو، لحظات بسيطة فوق الأرض هي التي يسعى لها الشاعر كي تولد القصيدة، بانتظار ذاك الوهم أو الحقيقة التي تسمى الإلهام، عوالم الطفو هذه تحضر في الفيلم عبر شخصية خودوروفسكي نفسه، فالسينمائي الآن بعمر الـ88، ويحضر في الفيلم ناصحا لذاته الشابة، هو يعيد كتابة سيرته الذاتيّة وذاكرته، ينصح ذاته الشابة أن لا تيأس أو تتردّد، فلا معنى للحياة، وعليه فقط أن يعيشها.

وأحيانا نراه يتدخّل في سياق الأحداث، وكأنه بعد رحلة الانعتاق هذه أصبح في طفو دائم، كالمعلم الروحي “الشاومان” الذي هو عليه الآن، قيود الزمن لا تعنيه، هو قادر على التنقل في هيولى الزمن كراءٍ يعيد تكوين حكايته الشخصيّة، يحرّر ذاته من قيود الماضي عبر “سردها”، يفكّك ذاكرته ويعيد ترتيبها في سبيل خلاصه الآن، وكأن الذاكرة هي آخر قيد لخودوروفسكي، بالانفكاك منها يصل إلى الشعر الخالص، إلى حالة من النيرفانا تتحول فيها العناصر وتتداخل دون أسماء، هي شعر فقط ينساب معه المرء.

16