شعر هايكو آخر ما أبدعته ريشة كيارستمي

لا حدود للإبداع، من هنا تتأتّى أهميته ومكمن جوهره. فالمبدع الحقيقيّ هو من لا يتقيّد بضوابط مرسومة سلفا، هو المتمرد الذي ينشئ مسار تمرده في منطقة برزخية بين الوعي واللاوعي. وهو كذلك الكائن الذي لا ينحصر في مجال محدد، فبإمكان السينمائي مثلا كتابة الشعر وبإمكان الشاعر الرسم، وهكذا هي حلقات لا نهائية من وجوه الإبداع المتعددة.
السبت 2017/02/18
شاعر متوحد مع العالم (لوحة للفنان سعد يكن)

في مجموعته الشِعريّة “ريح وأوراق”، ينحو الشاعر والمخرج السينمائي العالمي عبّاس كيارستمي إلى “ترسيخ رؤيته الشعرية عبر قصائد موجزة تذهب نحو اليومي والوجودي والطبيعة واللحظات العاطفية العميقة التي تكاد تكون توثيقاً شعرياً للّقطة السينمائية، أو مؤسّسة لها”.

كيارستمي لا تقلّ موهبته الشِعريّة عن حرفيته في عمله السينما، حيثُ تكمّل إحداهما الأُخرى، سواء من جهة الشِعريّة في السينما أو العكس، ويطغى الجانب التأمّلي/ البصري/ التصويري على أجواء جُلّ قصائده كقوله “توقّفت الثلوج عن التساقط/ حينها بدأ المطر/ انقطع المطر/ حينها غرّد الطائر”.

المزج بين رؤيتين

تقترب قصائد “ريح وأوراق”، الصادرة في طبعتها العربيّة عن منشورات المتوسط (إيطاليا- 2017)، من النموذج العالمي للهايكو الياباني وتتقاطع كذلك مع أجواء القصيدة الصوفيّة أو ما يسمّى بالشطحات، من خلالِ مزجٍ حميمٍ بين الرؤيتين. وقد عمل كيارستمي (المولود في طهران، 1940) سابقاً على تشذيب أبياتٍ من الشعر الكلاسيكي الفارسي، وتحديداً الصوفيّ منه، ونشرها بطريقة شِعر الهايكو، حيث قدّم مختارات للشيرازيين حافظ وسعدي، وأخرى لجلال الدين الرومي. وقد لاقت ترحيب البعض واستهجان البعض الآخر.

من المقاطع التي تأتي في هذا الاتجاه، نقرأ “ورود الصحراء/ لم يشمّها أحد/ لم يقتطفها أحد/ لم يبعها أحد/ لم يبتعها أحد”، و”ترى كيف تنظر الأشجار الكبيرة/ إلى الشجيرات الصغيرة؟”، “ثمّة حريق في الغابة،/أشجار الصفصاف السامقة/ تتأمّل المشهد”.

تزخر المجموعة بمشاهد الطبيعة الصامتة، والصمت يحضر هنا لا بوصفهِ سكوناً بل كحالةٍ من الإدهاش، الصادم والمُؤثّر. مُحققاً بذلك أحد أبرز شروط كتابة الهايكو. يقول في أحد المقاطع “لقد حصدوا الحنطة/ القمر/ يضيء القشّ”. وفي مكانٍ آخر يقول “أرقٌ/ في ليل أضاءه القمر./حتّى الفجر،/ حوار غير مثمر مع الذات”.

يكاد لا يخلو أي مقطع ضمن المجموعة من مفردات تخصّ الطبيعة أو على علاقة وثيقةٍ بها، وكأنها الحبر الذي يكتب به. حيثُ يجد الشاعر في الطبيعةِ نَفسها مرآة لروحه، تعكس رغباته وكل ما يجول في خاطره من فرحٍ أو شجن، أو غيره مما يعتمل في عمقه.

قصائد المجموعة تقترب من نموذج الهايكو الياباني، وتتقاطع كذلك مع أجواء القصيدة الصوفية وما يسمى بالشطحات

المعرفةُ الحقَّة بالكتابة، والعمل السينمائي المكمّل لتوسعة آفاق ما يُدوَّن على الورق، كفعل إبداعي، هذا الأمر يتبدّى واضحاً لدى كيارستمي، لتأتي معظم نصوصه كمشهدٍ سينمائي جاهز للبَدء بتصويره دون أيّ محسّنات بصريَّة، فالمشهد البصريّ داخل النصوص مشذّب إلى درجة الإتقان الفعليّ، وكأنّ الشاعر مخرج -وهو كذلك فعلاً- يمتلك عيناً ثاقبة يتمعّن بها ملياً قبل أن يبدأ.

هذه اللعب السينمائيّ الذي يجيده الشاعر، يمنح نصّه أو ومضته بُعداً آخر، كما يمنح القارئ ما يشبه الاسترخاء بعد عملٍ ذهني طويل، بفعل صفاء المشهد آنَ الكتابة، فهو شيء حسّي لا يراه سوى الشاعر ببصيرته النفّاذة والمانحة للهدوء والسَكينة.

يقول الشاعر “في حياتي التي لم تكن قصيرة/ في حياتي التي لم تكن طويلة/ تساقطت الثلوج على مدار عشر سنوات”.

متخفِّفاً من الحكمة، ينطلق الشاعر/ السينمائي نحو التقاط المشهد، أحياناً يدوّن كيارستمي ما يدلّ على حكمةٍ ما، إلّا أنّها ليست ذات بعد تنظيري، إنها فقط الكتابةُ التصويريَّة التي تأتي على إثر تمعّن ما في العالم، في الثورات، لكن وفق منظورٍ مختلف ومُغاير “ثائر دون سبب/ جرى إعدامه/ مع إعلان السبب”.

لا يمكن للشِعر الآن أن يكون حاملاً لنظريَّات فلسفيّة، هذا ما يراهن عليه كيارستمي وينجح في ذلك، بعدَ أن يجمع عناصر الطبيعة في تقاربٍ محبّذ، تقارب هو في الحقيقة الصياغة الأسمى والأكثر “حقيقيَّةً” والتي تلعب دور الدالّ الأساسي -غير المزيَّف- على مفردة “الشعر”، دون رتوش أو إحالات، ثمة مشاهد واضحة للعيان، ولا تحتاج سوى إلى من يدوّنها دون تجميلٍ أو تزييف “الذئاب تعوي/ الكلابُ تنبح/ أنا أتجمَّد”، بهذه البساطة يمضي كيارستمي نحو الشعور الحقيقي، الإحساس كما هو مدوَّن دونما حكمة أو فلسفة!

كتابة الشعر بكاميرا سينمائية يملأها القلق والصفاء

الكوابيس الشعرية

يمكن الاستدلال من خلال الجمل القصيرة التي يدوّنها كيارستمي، تلك التي تكون أشبه بملاحظاتٍ يوميَّة لعين الرائي، على عين الشاعر الثاقبة، إضافة إلى حساسيَّة السينمائي في التقاط اللحظويّ ضمن تفاصيل الحياة اليوميّة، وهي الزوايا التي لا يمكن أن يفتّش أحدٌ منّا عنها في الأنحاء القريبة منه، زوايا من الصعب التقاطها إلّا باستخدام حدقة الشاعر ذاته أو أذنه أو استعارتهما ربّما “صوت نمو العشب/ أيقظني”. دقّة ملاحظة تنسحب على كافّة أعضاء الجسد، ليغدو جسد الشاعر كتلةَ مجسّاتٍ لاقطة لأدقّ التفاصيل.

كلّ الشعراء يكتبون قصيدةً واحدة، لكن الأسلوب متغيّر، وهذا ما يُنجِز المختلف، الذي يمكن أن يُراهَن عليهِ كتابةً وغوصاً في عالم العميق. العزلةُ الدائمة التي تتيح رؤيةً أصفى للمشهد، هذا ما يريد أن يقوله كيارستمي عبر النصوص/الومضات التي تخبّئ داخلَ كل مفردةٍ واضحةٍ منها معاني غامضة تستوجب التأمّل فيها بتأنٍ.

من جهة أخرى يطغى على مجمل نصوص المجموعة الأخيرة، خوفُ الكوابيس، المفردة الأخيرة التي يبدع فيها كيارستمي من خلال رسم تلك الكوابيس كلاماً مدوّناً، تلك الكوابيس التي من الممكن النظر إليها على أنّها ربما كانت مشاهدَ سينمائيَّة يودّ لو أن ينفّذها حقيقةً “حلمتُ أنني قطعتُ رأس زوجتي/ يا له من كابوس غريب”.

رغم المعنى المهلك لمفردة “كوابيس”، غير أنّ الشاعر يجعل منها مفردة يصوغُ على ضوئها تعابيرَ شعريَّة أخّاذة “حلمتُ أنّني أسكن مع الغرباء/ يا له من كابوس!”.

الخوفُ، القلق، دقّة الملاحظة، والغوص في العوالم الداخليَّة للأشياء، تمنح كلها نصوص “ريح وأوراق” بعداً جماليَّاً ليكونَ منجزاً مهمّاً في الكتابة؛ الاتّكاء على العناصر البصريَّة ومن ثم إعادة خلقها عبر اللغة المتفرِّدة، اللغة التي تبدو من بعيد وكأنّها نقلٌ لما هو واقعيّ، غير أنّ التعمّق والدنوّ منها يظهران النقيض من ذلك، اللغةُ ناقلة وصانعة للجديد.

“ريح وأوراق”، التي قام بنقلها إلى العربيّة محمد الأمين الكرخي، وجاءت في 96 صفحة من القطع المتوسط، هي الإصدار الشِعريّ الثالث في رصيد عبّاس كيارستمي، الذي توفي العام الماضي في باريس عن عمر 76 عاماً، إلى جانب مجموعتين شِعريتين سابقتين لها، هما “مع الريح” (1999) و”ذئب متربّص” (2004).

17