شعلة الشعر تضيء سماء الأحواز العربية

الأربعاء 2014/05/21
نهر"كارون" تشكيل جغرافي جميل ملهم أغلب شعراء الأحواز

الثقافة في الأحواز أغلبها تتجلى في الشعر وبالذات الشعر الشعبي، وهو الفن الذي فرض نفسه وسيطر على الحياة الثقافية وأخذ مكانة مرموقة بين أوساط الشعب. وإلى زمان طويل كان الصوت الوحيد الذي يعبر من خلاله الناس عن مشاعرهم وطموحاتهم وانتصاراتهم وهزائمهم ووجدانهم.

خرج الشعر الشعبي من بطن معاناة طويلة وقاسية، خرج من المحظور الممنوع كليا ليتحدث بلغة الناس التي يفهمونها بالألغاز والإشارات مرة وبالصراحة والعلن مرة أخرى. ظهر وتوسّع ليتحدث بلسان كل الفنون المغيّبة بأحكام مجتمعية تقليدية أو بأحكام تصدرها حكومات تبوأت الحكم في طهران بعد سيطرتها على عربستان الأحواز بقوة العسكر وسُبل الخديعة والاستدراج.


واقع في قصيدة


تغيبت الفنون الحديثة مثل المسرح والسينما والرواية والرقص والغناء والنحت والرسم في الإقليم العربي، هذا ولكل من هذه الفنون وغيابه وتهميشه قصة أغلبها يرتبط بحالة الحرمان والكبت التي عاشها الشعب بعد الغزو الفارسي لأرضه وسلب سيادته وطمس هويته بالقوة ومحاولة تذويبه في الثقافة الفارسية التي هي غريبة عليه إذ لا تمت له بأية صلة بل أحيانا تقف ضده وتحتقره وتستخف بتاريخه وأمجاده باعتباره -أي الشعب الأحوازي- ينتمي إلى أمة تغلبت على الإمبراطورية الفارسية وأنهت حكمها بمجيء الإسلام.

لهذا الشعر جوانب عديدة تحتاج إلى أن يتناولها النقاد وتتطلب تسليط الضوء عليها باعتبارها صورا ملموسة وانعكاسات حية للحياة اليومية لهذا الشعب وصفحات تاريخه الغابر والحديث. ولم تنشأ مدارس نقد للشعر رغم كثافة إنتاجه وحيويته واستمراريته والسبب يكمن في أن النقّاد أكثر تعرضا للنقد والمساءلة من الشعراء أنفسهم كما صرح أحد كبار أساتذة الأدب في الأحواز.

تجد هناك شعراء غير متعلمين أي أنهم لم يدرسوا الأدب ومشاربه لذلك أُنتج نوع من الشعر القبلي والطائفي وامتلأت المكتبات بهذه الكتب التي تروّج للتخلف وتكرّس لمفاهيم غير صحية مجتمعيا ولما غيّر البعض مذهبه تبلور أدبها بنفس الشكل حاملا نفس الإشكالية القديمة التي ابتلى بها سواهم. هذه الأسباب تُعد من العوائق التي تمنع الشعر الأحوازي من الوصول للعالمية حيث أن شعرا تسوده الطائفية والقبلية لا يستطيع أن يمثل شعبا ولا يرقى إلى مستوى المنافسة في ميادين الأدب. طبعا هنا لا نعمم على كل الشعراء بل الأغلبية هي كذلك.

الأدب الأحوازي يُعد، عربيّا، حقلا بكرا للدارسين والباحثين في الأدب حيث قلما نشاهد أو نقرأ دراسة أو بحثا يتناول هذا الأدب وتاريخه ومراحل تطوره ونقاط قوته وضعفه. وهذا جانب آخر من حالة التهميش التي شاركت في تغييب هذا الفن الأوحد وبالتالي تُعد هذه النقطة على حساب تغييب قضية شعب عربي يعاني من شتى أنواع الاضطهاد والحرمان من أبسط الحقوق كالتعلم بلغة الأم في بيئة جغرافية عربية من جميع الجهات باستثناء واحدة وهي الفارسية التي منعته من كل حقوقه والجهة العربية تُعدّ مُقصرة إن لم نقل شريكة في هذا الدور.

تهميش الشعر الشعبي يراد منه تغييب قضية شعب عربي يعاني من شتى أنواع الاضطهاد


شعر محاصر


إن المؤسسات الدولية المختصة بشأن الأدب أو مؤسسات الشعوب غير الممثلة في الأمم المتحدة ما أعطت حتى الآن فرصة للظهور لهذا الأدب وما شاركت في طرحه ضمن مؤسساتها ودوائرها وبرامجها المختلفة. ترك هذا التجاهل والإهمال آثارا على اللغة العربية حتى دخلت المفردات الفارسية إليها، الأمر الذي هدّد وجود هذه اللغة.

لا ننسى هنا دور الفضائيات الإيجابي وشبكات التواصل الاجتماعي الداعم للغة العربية أمام سياسة الفرسنة الممنهجة والمدعومة حكوميا على حساب العربية.

فكانت هذه بركة نشاهد تأثيراتها في التصدّي للعجمة واللكنة وتُصحح لغة الناس خاصة وأنها تأتي في سياق شفوي.

إذا قسمنا الأدب الأحوازي إلى ما قبل وما بعد الثورة الإيرانية عام 1979 فيتكون لنا هنا مجال لتبويبه والحديث عنه بسهولة أكثر. بعد احتلال الأحواز قبل تسعة عقود تراجع الأدب في الأحواز وتلخص في الأدب الشعبي وانحسر ليظهر في المناسبات والبيوت فقط.

وهنا في سياسة التغييب المتعمدة هذه خسر هذا الأدب منصة حضوره وهُمّش بشكل كبير في إيران وفي مراكز التعليم العربية ولا سيما في الجامعات وكليات الآداب في الوطن العربي. اختصر الأدب في تلك الحقبة على شعر المقطوعات مثل الأبوذية والدارمي والزهيري والركباني والنعاوي والهوسة والقولة والألفية، لكن القصيدة بشكلها الحديث لم تظهر في تلك الآونة.

جاءت ثورة 79 لتنتهج نفس السبل التي اتخذتها سابقاتها في محاولاتها المستمرة والمُلحّة لطمس هويات الشعوب غير الفارسية ولكن هذه المرة تحت شعارات مذهبية طائفية بمعنى أن من يقوم بالترويج لثقافة غير فارسية فهو يعتبر محاربا لله وناقضا شرعه وشريعته. وهنا لا يختلف من يلقي قصيدة وطنية أو بيت لبوذية مع من يحمل السلاح، فالحكم واحد تصدره محاكم الثورة وتنفذه دون حضور محام أو المرور عبر مراحل قانونية ناقضة للقوانين الإيرانية نفسها وشهدنا شنق الناشطين الأحوازيين هاشم شعباني وهادي راشدي قبل شهرين والجريمة كانت النشاط ضمن مؤسسة ثقافية اسمها الحوار. وهنا تكمن خطورة هذا الخطاب ونتائجه السلبية وكان أول ما منعته مجالس الأفراح والمناسبات العامة والأعياد وبالتالي تمّ منع مهرجانات ومجالس الشعر والموسيقى.

الحاجة الملحة في بدء الثورة ونشوب الحرب بعدها تسببت في أن يُستخدم الأدب في الماكينة الإعلامية الإيرانية لحشد الجماهير العربية وتشجيعها على المشاركة في الحرب العراقية الإيرانية من جانب وغسل الأدمغة وتضليلها من جانب آخر.

فأسست مؤسسة حرس الثورة التي سيطرت على مقدرات البلاد “جمعية شعراء خوزستان” وهذه الجمعية تتشكل من شعراء أحوازيين يعملون في الإذاعة والتلفزيون لإقناع المواطن في الإقليم بالالتحاق بجبهات القتال والوقوف إلى جانب الحكومة التي هي حكومة تعمل بالنيابة عن الإمام الثاني عشر للشيعة حسب ادعائها.

هكذا كانت “قناة خوزستان”، ولا زالت هذه القناة التي تشبه الحسينية تؤسس للتبعية العمياء للنظام ولتوجيه سياساته، والشعراء وشيوخ الدين الذين يعملون فيها أو يتعاونون معها ينفذون هذه الأجندة، ولا تقوم بدور توعوي تثقيفي.


قصائد الشعب


حسب هذا التوجه تم منع صدور المجموعات الشعرية وخاصة منها ما يحمل نصا وجدانيا أو وطنيا وبالعكس من هذا شرعت الحكومة ومؤسسة حرس الثورة بالذات بنشر دواوين شعراء “الجمعية” وعرضها بالمجان أو بأسعار رمزية وتسويقها من خلال إمكانياتها الحكومية المختلفة منها الإذاعة والتلفزيون ودائرة الإرشاد الإسلامي والحوزات العلميـــة والحسينيـات والمساجد.

بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية وفي بداية التسعينات بدأ الشعر في الأحواز يخرج من عباءة حرس الثورة هذه المؤسسة التي أدلجت الأدب وعزفت على وتر الطائفية طيلة مدة الحرب 1980-1988 وظل يأخذ مكانته الصحيحة حيث بدأ يظهر في المهرجانات الشعبية والاحتفالات العامة ويطرح قضايا تهم المجتمع منها البطالة والإدمان والتقاليد البالية. وهنا تولدت القصيدة بشكلها الحديث والراقي معبرة عن الإنسانية. هنا دخل الشعر مرحلة مهمة جدا وهي مرحلة التأسيس للشعر الوطني بمعني أنه صار الشعر يطرح قضية الشعب واحتلاله على يد القوات الفارسية ويشيد بالشهداء والرموز التي ضحت من أجل تخليصه من معاناته فظهرت مجموعة من الفنانين تتغنى بقصائد هؤلاء الشعراء وتوسع هذا الأمر حتى أصبح ثقافة.

15