شعوب العراق غير المتآخية

"الفاسد" يظل فاسدا شيعيا كان أو سنيا وهم يتحالفون مع بعضهم البعض لأن منهج "الفساد" السياسي هو الذي يجمعهم ويوحد أهدافهم وتطلعاتهم لخدمة أبناء شعبهم من الفاسدين.
الجمعة 2021/10/15
من يحاسب من؟

منذ قديم الزمان، تعيش في العراق شعوب غير متآخية. سخطها الله عدة مرات، وسلط عليها ابتلاءات كثيرة، لم يكن “طوفان نوح” سوى واحد من أولها، ثم تلتها ابتلاءات من قاع الجحيم مثل الغزو المغولي ثم الصفوي ثم العثماني ثم البريطاني ثم الأميركي ثم الصفوي من جديد، ثم داعش، وهكذا على طول الخط. والسبب في ذلك إنما يعود إلى حقيقة أن هذه الأرض ظلت تعيد إنتاج ذات الشعوب غير المتآخية.

وحيث أن الجميع يستطيع الزعم أنهم “عراقيون”، فإن الناظر إليهم من مسافة مترين (ليس تحاشيا لكورونا فقط) سوف يعجز عن أن يعرف إلى أي شعب ينتمي هذا الشخص أو ذاك.

ولقد جرت محاولات عديدة للفصل بين بعض هذه الشعوب عن بعضها الآخر. فاستخدمت بعض الحكومات السجل المدني والإحصاءات السكانية لكي تعرف من هو الصالح أو الطالح بين هذه الشعوب، فعجزت عن تقديم إحصاء دقيق. ومثلها فشلت المحاولات التي ابتغت أن تطرد من العراق كل من اعتبرتهم إيرانيين من حيث الأصول، وصاروا يسمون بلقب “التبعية”، أي الذين يتبعون لقوم آخرين. وسرعان ما أتضح أن “شعب البلاء والابتلاء” أو “شعب التغطية على الظلم والفساد” ظل موجودا. وظل من المستحيل معرفة مَنْ هم وكم هو عددهم. وعندما جاء الغزو الأميركي، فإنه سرعان ما دخلت معه “كتائب البلاء والابتلاء” المهاجرة التي تتبع الحرس الثوري الإيراني. وحصل أن ظهر بينهم معممون يعرفون الحلال والحرام، بينما هم من كل منحدر لا أخلاقي ينحدرون. وصار العثور على إحصاء دقيق لمعرفة عدد نفوس شعب “البلاء والابتلاء” أمرا أصعب من أي وقت. حتى جاءت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لتتضح الأرقام للمرة الأولى في التاريخ.

هناك شعب من الأبرار والخيّرين والطيبين ممن يعتبرون أنفسهم من أصلاء الطبع والطباع. ولكن هؤلاء، حتى وإن كانوا هم الأكثرية، إلا أنهم ليسوا بالقوة التي يمكنها أن تكافح “شعب البلاء والابتلاء”، لاسيما وأن أبناء هذا الشعب الأخير لا تعوزهم القدرة على ممارسة كل أعمال “الكلاوات” (الخداع) للزعم أنهم أصلاء الطبع والطباع أيضا.

سوف يقال قطعا إن “الشعب العراقي” هو الذي أعاد انتخاب الأحزاب الطائفية الموالية لإيران، وهي ذاتها الأحزاب الموالية للفساد والانحطاط السياسي والأخلاقي، إلا أن هذا سيكون نوعا من الخلط الذي لا مبرر له بين شعبين مختلفين أو ثلاثة.

الانتخابات الأخيرة وفرت فرصة نادرة، وقريبة من الدقة، لمعرفة كم عدد هؤلاء وأولئك، وما هي نسبهم حيال “الشعوب الأخرى”.

وأقول “قريبة من الدقة” لأن التقنيات التي توفرت من خلال التصويت عن طريق البطاقة البيومترية، تكاد لا تتيح أي تصور عن وجود أخطاء في العد. وسيكون من الجائز القول إننا نضع هنا أول إحصاء سكاني من نوعه لمعرفة عدد أبناء “البلاء والابتلاء” في العراق.

“الطيور على أشكالها تقع”. أظن أن هذا أمر لا جدال فيه. والمرء الذي ينتخب “فاسد” لإيران، لا بد وأن يكون هو نفسه “فاسد”. والذي يقدم صوته لحرامي، لا بد وأن يكون هو نفسه حراميا أيضا. ولا أريد أن أذهب أبعد من ذلك في تقديم الأوصاف، احتراما لقدر المكان.

وكان شاعر شعبي عراقي، تم تداول قصيدته على نطاق واسع، بدأ بالقول في إدانته للشعب الآخر: “توبة، توبة. توبة منهم – طاح حظّه اللي ينتخبهم”، ثم تابع ليقول: “طاح حظه اللي ينطي صوته – للي سفكوا دم إخوته، للي سرقوا ثمن قوته،..” (الخ).

هذه القصيدة قدمت وصفا موجوعا لأعمال “شعب البلاء والابتلاء” وأحزابهم المناضلة في الفساد. إلا أن انتشار القصيدة لم يدفع هذا الشعب إلى التخفي وراء الستائر. وذلك لسبب بسيط، هو أنهم صاروا قوة عددية ضخمة.

ولا شيء طائفيا في هذا الأمر. على الإطلاق. ذلك لأن هذا الشعب موجود بين كل الطوائف. ففي النهاية، فإن “الفاسد” يظل فاسدا، شيعيا كان أو سنيا. وهم يتحالفون مع بعضهم البعض لأن منهج “الفساد” السياسي هو الذي يجمعهم ويوحد أهدافهم وتطلعاتهم لخدمة أبناء شعبهم من الفاسدين، على حساب مصالح الشعوب الأخرى، وعلى حساب مصالح العراق الوطنية.

ولقد حققت أحزاب هذا “الشعب” فوزا كبيرا بفضل ما تمكنت منه من “كلاوات” وأعمال نصب وشراء ضمائر وما قالت المفوضية العليا المستقلة إنه “يرقى إلى مستوى الجرائم الجنائية”.

ولكن مَنْ يحاسب مَنْ، إذا كان شعب “البلاء والابتلاء” هو الناخب الأكبر؟ ومَنْ يحاسب مَنْ إذا كانت “الفسدنة” هي المنهج السياسي السائد الذي يُهيمن على كل مفاصل الدولة، بما فيها “المفوضية العليا” نفسها التي خادعت الناس والأمم المتحدة ورب العالمين بماضٍ أسود من التغطية على “كلاوات” هذا الشعب العزيز وأحزابه في عدة انتخابات سابقة. وهي مثلها مثل “هيئة مكافحة الفساد” التي لم تكافح شيئا قدر ما كافحت في ممارسته والتغطية عليه.

ولكن بقيت معرفة العدد. ففي النهاية يحتاج كل شعب من هذه الشعوب غير المتآخية أن يعرف وزنه العددي. وهذه هي المرة الأولى منذ طوفان نوح قبل نحو 7000 سنة، صار بوسعنا أن نعرف عدد نفوس شعب الأبرار ونظرائهم من الشعب المكافح في الظلم والضلال.

لقد بلغ عدد المؤهلين للانتخاب 24900000 وقرر شعب الأبرار أن ينأى بنفسه عن القصة برمتها لكي لا يجد نفسه في ورطة أخلاقية، وبلغ عددهم 14059002 مواطن معظمهم من المقهورين وضحايا الفقر والاضطهاد والحرمان. وهم ليسوا بـ”أغلبية صامتة” على الإطلاق إذ أنهم لم يكفوا عن التظاهر والاحتجاج على ما انتهى إليه عراقهم بأيدي أهل الجريمة والفساد.

ومن أصل 10840998 ناخبا شاركوا بالتصويت، فقد صوت لصالح “التشرينيين” نحو 900 ألف ناخب حاولوا أن يمثلوا “الأغلبية غير الصامتة”. ولكن اتضح أن “شعب البلاء والابتلاء” يبلغ عدده 4745861، بينهم 3449556 شيعيا، و1296306 سني، قدموا أصواتهم لأحزاب الفساد، وليس من بين هؤلاء الناخبين الأكراد، فهؤلاء شعب ثالث، ولا أملك الأهلية الأخلاقية للفصل بين فئاته. وهذه مهمة يجدر بصحافي كردي أن يقوم بها.

أكثر من أربعة ملايين وسبعمئة ألف مخدوع أو ولائي أو فسدان أو بائع ذمة، ممن أبتلي بهم العراق، هم “شعب” يجسد طبيعة المأساة المديدة والمتواصلة في تاريخ العراق. وكل ما أخشاه هو أن يكونوا سببا لطوفان آخر.

9