شغف آخر

الأحد 2013/12/08

انشغلت الثقافة الأوروبية في القرن التاسع عشر بالعالم الشرقي، ونال العرب وبلادهم حصتهم من هذا الانشغال، انعكست في نصوص أدبية وفكرية وتصاوير مائية وزيتية، ورحلات وبحث في المواقع الآثارية بلغت ذروتها مع مطلع القرن العشرين، لم تكن الطائرة قد جرّبت جناحيها بعد، وكانت بواخر النقل في ذروة مجدها، وقد عبّر الشغف بالسفر والانتقال السريع عبر البحار عن نفسه في تلك الأعجوبة التي صارت أمثولة فاجعة: تايتانك.

كان الغرب يشهد ذروة عصر السياحة في الأرض، وعبر البحر، النخب الثقافية الأوروبية المتألقة في ظلال مركزيتها واستعلائياتها تنعم بالإمكانات المتعددة التي وفرتها أزمنة البحبوحة الاستعمارية للمجتمعات الغربية، فأخذت تسافر نحو الشرق، فحيازة العالم لم تكن فقط بمدفع وبندقية ولكن بمخطوط ولوحة وقراءة تفسر هذا الآخر الغامض وتأوّله. وكان لابد، باستمرار، من وسائط تستكشف من خلالها الإثنوغرافيا البشرية حيث يترى الوصف للآخر وطبائعه وعالمه، عبر وسائط أوّلها الرحلة وأدبها.

كان الشرقي الذي طاف العالم في العصور الوسطى أنجز قراءة الآخرين، البعيدين، خصوصا؛ تركا وخزرا وصقالبة، ووجدهم برابرة متخلفين. لكنه الآن بات هو نفسه موضوعا بربريا لنسل هذا البربري الأشقر الذي ارتقى سلم الحضارة، وأعاد تعريف نفسه انطلاقا من تفوقه وقوته. بل إن الأوروبي في هذا القرن، كما تكشف نصوصه الأدبية الكبرى، لم يكن لديه أبلغ من تعريف نفسه عن طريق تمايزه عن الشرقي.

وهكذا تراكم الغبار على مئات المصنفات العربية الإثنوغرافية والكارتوغرافية والكوزموغرافية المستندة إلى نشاط خلاق بُني على التجارب المستحدثة في علوم الفلك والبحر وقد أظهرته هذه المصنفات الموضوعة بالعربية وتجلى ببراعة مذهلة في مدونات ألف عام من السفر العربي في الأرض.

ولكن هل أصاب العالم العربي العمى، بعد ذلك، حتى صار قعيدا بباب بيته. يتسقط بأذنين كسولتين أخبار الأقربين، غير مهتم بما يجري في الأوسع والأبعد من عالمه.

الحقيقة أن ظلما كبيرا نُلحقه بثقافتنا العربية عندما نتصورها على هذا النحو، وعندما نجازف ونكتفي باسم هنا واسم هناك نستدل بهما على نزعة متجددة في الذهاب نحو الآخر، والانفتاح عليه، على شاكلة ما جرى في القرن العاشر الميلادي، عصر رحلتي ابن فضلان إلى الغرب، وأبي دلف إلى أقصى الشرق، انطلاقا من قلب جزيرة العرب.

لطالما كانت كثرة منهم تبدي دهشة من فكرة أن تكون هناك مصنفات عربية يعتد بها تعود إلى ثلاثة قرون مضت، مكرَّسة بصورة مباشرة لانطباعات وملاحظات وأفكار عن المدنية الغربية دوَّنها مسافرون عرب حلوا في ظهراني الأوروبيين، وطافوا في الحواضر الأوروبية بهدف الاطلاع على حياة الآخر الأوروبي بدوافع معرفية محضة. دهشة هؤلاء كانت تتسع كلما نبهت إلى أن عدد هذه المصنفات، بالعربية وحدها، ناهيك عن التركية والفارسية، في الفترة التي نشير إليها يكاد يربو على المائة مصنف أساسي.

ولو بدأت، الآن، في تعداد أسماء هذه المصنفات مشفوعة بأسماء أصحابها، وجلها، بالنسبة إلى القراء العرب أنفسهم، تدخل في باب الأعمال المجهولة، لما اتسعت لها صفحتان من هذه المطبوعة. ويروقني باستمرار أن أضرب الأمثلة على ذلك بدءا من القرن السابع عشر وحتى الربع الأول من القرن العشرين، مكتفيا بالمسافرين العرب الذين استعملوا السفن في أسفارهم وسياحاتهم.

ليس مفزعا لثقافة أن لا تكون قُرئت من قبل ثقافة أخرى، ما دامت أعمال مؤلفيها لم تغادر اللغة التي كتبت فيها، إنما المفزع أن تجهل هذه الثقافة ذاتها. أن لا تحفظ ذاكرة القارئ العربي من مجمل أدب الرحلة العربي الذي يمتد على مدار عشرة قرون سوى عمل أو اثنين، هما رحلتا ابن بطوطة وابن جبير، للعموم، وللمثقفين من القراء رحلة ابن فضلان. وأن لا تحفظ، بالمقابل، من أدب الرحلة العربي إلى أوروبا سوى رحلة رفاعة رافع الطهطاوي المسماة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وأحمد فارس الشدياق في رحلته المسماة "الواسطة إلى معرفة أحوال مالطة وكشف المخبأ عن فنون أوروبا"، وكلتا الرحلتين وضعتا في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لقد علكت النخبة العربية اسم الطهطاوي حتى لم يعد مثقف يستطيع أن يغادر هذا الاسم إلى سواه من أسماء عشرات الرحالة الذين لا يقلّون أهمية عنه، وإلى الدرجة التي لم يبق للشدياق نفسه معاصر الطهطاوي قارئ مفتكر.

11