شغف أردوغان بالعظمة يطال الإرث الثقافي للأتراك

في الوقت الذي تلقت فيه الحكومة التركية انتقادات من الاتحاد الأوروبي بشأن وضع دولة القانون وحقوق الإنسان وحرية التعبير وبعد فوز حزب الرئيس التركي الحاكم بالانتخابات البرلمانية، نشرت وسائل إعلام تركية خبرا عن ضم أردوغان لقصر يلديز التاريخي لقصور رئاسة الجمهورية ليصبح تحت تصرفه. وهو ما عرضه لجملة من الانتقادات تحدثت عن لهثه وراء السلطة وتصاعد منسوب الهوس بالعظمة عنده.
الأربعاء 2015/11/11
قصور السلاطين العثمانيين ورونقها يغويان أردوغان بالدخول إلى التاريخ من باب العظمة

أنقرة – يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عاجز على السيطرة على شغفه بالإمبراطورية العثمانية وبما حققه سلاطينها من عظمة، فهو اليوم يحاول تقليدهم والرجوع بالتاريخ إلى الوراء ليعيش في قصورهم ويعلنها ملكيات خاصة لرئاسة الجمهورية.

هذا الشغف والنزعة السلطوية جعلا أردوغان في مرمى الانتقاد والسخرية، لكنه يواصل غير آبه بها مسار تطويع المواقع التاريخية والإرث الثقافي للأتراك لرغباته المهووسة بالعظمة.

وبعد ضمه لقصر السلطان وحيد الدين التاريخي ليكون مكتبا له يتجه أردوغان إلى جعل قصر يلديز التاريخي بمنطقة بشيكتاش في إسطنبول مركزه الرئاسي الجديد في إسطنبول.

وتناول الكاتب بصحيفة “خبر تورك” مراد بارداكتشي الموضوع في عموده بالصحيفة قائلا “سيتم تخصيص قصر يلديز الذي استخدمه السلطان عبدالحميد الثاني مركزا لإدارة البلاد على مدار ثلاثين عاما إلى رئاسة الجمهورية، وسيصبح بعد خضوعه لعمليات ترميم جادة مركزا لرئاسة الجمهورية في إسطنبول”.

وأوضح بارداكتشي أن مشروع منح قصر دولمابهشه إلى الرئاسة التركية لم يتم حتى الآن لعدة أسباب تقنية قائلا “هناك مبنى استقبل فيه الرئيس التركي في وقت سابق المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وجلسا فيه على مقاعد “أمبير” فرنسية الصنع تعود للقرن الـ19 والتي يظن البعض أن الهلالين وضعا عليها في وقت لاحق. وذاك المبنى هو قصر يلديز، حيث سيتم تخصيصه بالكامل إلى رئاسة الجمهورية”.

وفي ذات السياق نشرت صحيفة التايمز تقريرا لمراسلتها في إسطنبول عن الانتقادات الحادة التي أثارها اتخاذ الرئيس التركي لقصر آخر السلاطين العثمانيين مقرا لإقامته الخاصة في إسطنبول. حيث قالت المراسلة إن قصر يلديز الذي يقع وسط حدائق خضراء واسعة تطل على البسفور كان قد اكتمل بناؤه عام 1880 في زمن السلطان عبدالحميد الثاني ويتألف من قصر للسكن وعدد من المباني المرافقة التي استخدمت كمكاتب وورش ومناطق للتسلية واللهو.

ويشير التقرير إلى أن القصر تحول لفترة قصيرة إلى كازينو بعد انهيار الدولة العثمانية عام 1922، لكن أعيد تسليمه إلى وزارة الثقافة التركية في عام 1978 التي حولت القصر إلى متحف وفتحته للجمهور طوال عقدين. وتؤكد المراسلة أن المتحف لن يتم تجديده، وقد أعيدت تسمية القصر باسم مجمع إسطنبول الرئاسي.

أردوغان تملكه هوس بجعل كل القصور والأماكن التاريخية في خدمته في مسعى منه للبحث عن رمزية يفتقدها

ولعل موجة الانتقادات تجاه اتخاذ أردوغان لقصر يلديز مقرا لإقامته في إسطنبول كانت قوية لتبلغ حد السخرية لأنها ليست المرة الأولى التي يعتدي فيها أردوغان على الملكية العامة للأتراك ويمس من خلالها ثقافتهم وتاريخهم وتراثهم الثقافي الذي يمثل هويتهم فهم فخورون بما حققه أجدادهم العثمانيون من ازدهار وتقدم في جميع مناحي الحياة خاصة في الفنون ولعل أبرزها فن العمارة. وما تركه العثمانيون من مبان تاريخية من بينها قصور السلاطين تعد إرثا ثقافيا يقدم قرائن مادية عما بلغه العثمانيون من تطور في فن العمارة وإبداع فيه.

ومن السوابق التي ارتكبها أردوغان في حق الملكية العامة والإرث الثقافي التركي والتي أثارت غضبا في الأوساط التركية واستنكارا وتنديدا من المعارضين لحكمه، إلى درجة أنه اتهم بالتصرف كأنه سلطان، كانت ضمه لقصر السلطان وحيد الدين ليكون مكتبا له وبناؤه لقصر في العاصمة أنقرة، القصر الأبيض، الذي أثار بدوره جدلا واسعا في الأوساط الاجتماعية والسياسية بسبب كلفته التي تجاوزت 600 مليون دولار أي ضعف الميزانية المخصصة له، بل وجهت العديد من الاتهامات للرئاسة بعدم الحصول على التصاريح اللازمة من قبل الجهات المختصة، لاسيما وأنه يقع في منطقة على تلال أنقرة المصنفة على أنها منطقة تاريخية يحظر البناء عليها.

ويضم هذا القصر الذي يجمع بين طرازي العمارة العثماني والسلجوقي الجديد (أول سلالة تركية حاكمة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر) نحو ألف غرفة ويحتل مساحة 200 ألف متر مربع.

هذه المساعي للاستيلاء على القصور التاريخية من قبل أردوغان تؤكد اتهامه بأنه مصاب بجنون العظمة كما وصفه منتقدوه، وبأنه يمعن في القرارات أحادية الجانب راميا عرض الحائط آراء معارضيه ومنتقديه وحتى سخرية البعض منه.

ويرى مراقبون أن أردوغان تملكه هوس بجعل كل القصور والأماكن التاريخية في خدمته، في مسعى منه للبحث عن رمزية يفتقدها وأنه بات يتصرف في ممتلكات وزارة الثقافة وممتلكات الشعب كأنها ملك خاص له يتخذ منها ما يشاء من القصور مسكنا أو مكتبا، وبأنه يستعين بالرمزية الثقافية لهذه الأماكن ليضيف لنفسه هالة من الوقار والعظمة اللذين خلدتهما في نفوس الأتراك إنجازات الإمبراطورية العثمانية.

12