شغف الجهل

الثلاثاء 2014/11/25

الربيع العربي لم يُعَرِّ الأنظمة وحدها، بل عرّى أيضا جمعا من المثقفين كنا نحسبهم كالهداهد يسبقون الركب ويدلّون إلى الينابيع، فإذا هم يسقطون عند أول امتحان في فخّ الأيديولوجيا والعصبية، أو يقايضون موقفهم بمنصب، ولو ناقضوا في ذلك قناعاتهم.

في تونس مثلا، وجدنا من الكتاب والشعراء والمفكرين من سار في ركاب النهضة، رغم خطابها الرجعي، وتقسيمها المجتمع إلى مناصر للإسلام ومعاد له، وإنكارها المساواة بين المرأة والرجل، فتبنوا خطابها ونهضوا للدفاع عنه، إما طمعا في حقيبة وزارية، وإما ولاء للعصبية، قبلية كانت أم جهوية، وإما إيثارا للمتديّنين مثلهم.

وكنا نظن أنهم سيراجعون مواقفهم بعدما تكشّف حكم النهضة عن عنف وفساد ومحسوبية وسوء تصرف فاقت في حدتها واتساعها منظومة العهد البائد، فضلا عن التواطؤ مع السلفية الجهادية، وتحويل المساجد إلى منابر تحرّض على قتل الخصوم، ولكنهم لجّوا في غيّهم وعنتهم، ومضوا يسوّغون أقوال النهضة (كالدعوة إلى إقامة خلافة سادسة) وأفعالها (قمع الشبان الذين أخرجوا قادتها من السجن أو أعادوهم من المنافي حدّ رميهم بخراطيش صيد الخنزير البري)، فوجدنا من بينهم مفكرا يصف السياحة -التي يقتات منها خمس سكان البلاد- بالبغاء، وشاعرا (جامعيا) يرى في سحل ميليشيات النهضة لأحد خصومها وقتله في الطريق العام دفاعا عن النفس، وروائيا يعتبر أن الإضراب عن العمل إفساد ينبغي صلب مرتكبيه وتقطيعهم من خلاف.

بل إن روائيا آخر (جامعيا هو أيضا) لا يستحي -بعد أن كال للنهضة ما كال من مديح دون أن يبلغ مراده- أن ينتقل لمدح من دأب التونسيون على وصفه بـ”الطرطور”، ويتندرون بشطحاته، رجل لم ينلهم في عهده غير الكوارث، ورغم ذلك يجرّد هذا الجامعي قلمه ليصفه بأنه مستقبل تونس وحاميها من عودة الفلول.

في ثلاثينات القرن الماضي، تساءل جورج برنانونس وهو يرى رجال الدين يصرّون على مباركة قوات فرانكو رغم جرائمها الفظيعة: “لماذا يرفض الناس الواقع إذا كان مخالفا لآرائهم وراحتهم المعنوية؟” إنكار الواقع هذا يسميه جاك لاكان “شغف الجهل”، أي تمسك الناس بواقع معين، رغم اتضاح خطورته وكارثيته، بشكل يجعلهم في تناقض حتى مع أنفسهم.

قد ينطبق هذا على العامة، أما أولئك المثقفون فلا نحسب أن تعنتهم سببه الجهل، بل الولاء الأعمى، الذي يجعلهم أشبه بسائقي القطارات، لا مجال لهم غير اتباع السكك ولو كانت تؤدي إلى الجحيم.


كاتب تونسي مقيم بباريس

15