شغف الكتابة يدفع أرجنتينيا للعمل كنّاسا بمحطات قطارات الأنفاق

يغوص الأرجنتيني إنريكي فيراري في عالم مظلم تحت الأرض بعد توقف حركة قطارات الأنفاق في العاصمة الأرجنتينية بوينوس أيرس قبيل منتصف الليل، متسلّحا بدلاء ومكانس لتنظيف محطة للمترو وكسب راتب يتيح له تمويل شغفه بكتابة قصص بوليسية خلال النهار.
الأحد 2016/04/03
كاتب المترو

بوينوس أيرس - تحت اسم كيكي فيراري، أصدر الأرجنتيني إنريكي فيراري كتبا بوليسية في ستة بلدان تمت ترجمتها إلى أربع لغات، وقد نال جوائز عدة، غير أن هذا كله لا يكفي لتأمين معيشة لائقة له، فاضطر لامتهان مهنة كناس بمحطات قطارات الأنفاق في العاصمة الأرجنتينية بوينوس أيرس، لينمي ولعه وشغفه بهوايته، ألا وهي الكتابة.

يقول الروائي الذي سئم تلقيبه بكاتب المترو "إنه من غرائب الرأسمالية البرجوازية الاعتقاد بأننا كعمال لا نمتّ إلى الثقافة بصلة".

وقد ذاع صيت كيكي بفضل روايته “من بعيد تبدو أشبه بالبعوض” البوليسية، وهي ثالث رواياته ونشرت في الأرجنتين سنة 2011، ونال عنها جائزة سيلفيريو كندا في مهرجان خيخون الأسباني، ونشرت الرواية في فرنسا والمكسيك وإيطاليا.

وفي هذا الكتاب، تتحول حياة رئيس ثريّ لشركة إلى جحيم إثر اكتشافه جثة في صندوق سيارته إبّان الحكم الدكتاتوري العسكري في الأرجنتين بين سنتي 1976 و1983، وتتميز هذه الرواية بنبرتها المباشرة من دون أيّ مواربة، ويصور الكتاب بشفافية كبيرة التجاوزات التي كان يشهدها المجتمع الأرجنتيني في تلك الحقبة.

وفي سن الرابعة والأربعين، كتب كيكي فيراري خمس روايات، إضافة إلى قصص ومقالات أدبية، ويقول “العيش من الأدب حتى اللحظة جيد، لكن المردود المالي غير كاف”.

ويتميز كيكي فيراري ببنية ضخمة وعلى جسمه أوشام متعددة، بينها وجه كارل ماركس على ذراعه اليسرى.

وفي حجرة صغيرة بمساحة أربعة أمتار مربعة في محطة أميا لقطارات الأنفاق، يستفيد هذا الكاتب الكنّاس من استراحات قصيرة لتصحيح نص ما على جهاز كمبيوتر محمول يصطحبه معه على الدوام، وهو إلى ذلك، قارئ نهم رغم عدم حيازته أيّ شهادات علمية.

ويؤكد الأرجنتيني ذو الهالات السوداء تحت عينيه “أكتب عند استطاعتي وحيثما استطعت، وهوسي خلال النهار هو إيجاد وقت للنوم”.

وفي شقته في حي أونسي، يعمل على طاولة صغيرة في إحدى زوايا قاعة الطعام حيث تتكدس الكتب، وهو سيتبرع بها في نهاية المطاف إلى المكتبة التابعة لنقابة سوبتي المسؤولة عن إدارة قطارات الأنفاق في بوينوس أيرس، وقد تولى كيكي مهام مندوب نقابي للعمال في قطارات الأنفاق.

فيراري الذي يصف نفسه بأنه “كاتب حرّ يعيش من تنظيف محطات قطارات الأنفاق”، يقول “أعرف أن الأمر مفاجئ، لكنّ ثمة عمالا كثيرين يؤلفون كتبا ويمتهنون الفن أو الموسيقى”.

وقبل العمل في محطة تحت الأرض، كان كيكي خبازا وسائق تسليم بضائع وبائعا، وفي مطلع العقد الأول من القرن الحالي، سلك كيكي طريق الهجــرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة قبـــل طرده بعد ثلاث سنوات.

ويقول “أعمل في مدينة مهجورة (محطة المترو)، وتبعا للنفايات التي خلّفها الناس، أستطيع التكهن ما إن كان الطقس في الخارج حارا أو باردا، وفي أيّ حالة نفسية يكون المسافرون، وفي عالم مكتظ على الدوام، أنا دائما الشخص الذي يصل بعد مغادرة الجميع”.

وقد كبر كيكي المشجع لنادي ريفر بلايت في بوينوس أيرس الشغوف بموسيقى الروك، في منزل لا يزخر بالكثير من الكتب، لكنّ والده هو الذي رسم له مصيره من دون أن يعلم، عبر تقديمه كتابا له عندما كان في سن الثامنة عن مغامرات القرصان ساندوكان، ويستذكر الرجل الأربعيني تلك الحقبة قائلا “هذه الهدية كانت مهمة لي، القراءة هي التي تميزنا عن القردة، على حد قول والدي”.

ويوضح “لا أفكر في الأدب كمهنة”، لكنه يشير إلى أنه يحلم “في الفوز بجائزة عالمية”، أو أن يقتبس المخرج السينمائي ستيفن سبيلبرغ أحد كتبه وينقلها إلى السينما.

24