شـبابيك

الأربعاء 2014/10/22

لفتـَتْ انتباهي مصادفة، وانا أبحثُ عن شيءٍ ما على اليوتيوب، اُغنية جبلية قديمة أعادتْ غناءَها الفنانة نجوى كرم:.. “صُبحيي عا شبـّاكي.. شفتو صدفي شبـّاكي”.. ووجدتُ ذاكرتي تنتعشُ بعشراتِ الشبابيك التي زخرَ بها غناؤنا العربي.

بدأتُ بالقديم.. ورحت اُدندنُ موشـّحَ الملاّ عثمان الموصلّي: “ومن الشبّاك لارميلك حالي”.. الذي غنـّاه سيد درويش من بعده.. ثم أبدعهُ صباح فخري بتطريبه الأخـّاذ بعدهما بعقود.. ثم “شباك حبيبي ياخشب الورد” لعبد العزيز محمود.. ثم تذكرتُ المربع البغدادي الشهير: “سلـَبـِتْ روحي يل على الشنشولة”!.. فقد كانت شبابيكنا البغدادية والبصرية تنفتح على البيت من داخله لتطلَّ على “الحوش” الكبير.. ولم تكن للحبيبة غير الشناشيل تطلّ منها.. فتسحرُ حبيبَها وتسلبه لـُبّه..

إبتسمتُ أخيراً وأنا اُغني مع فيروز العاشقة التي هربَتْ من الشباك والتحقت بـ”عيد العزابي”..

ما كان أكثر الشبابيك التي تطلّ ُ منها الحبيباتُ من خدورهنّ.. فيسرقنَ النظر الى محبيـّن يقفون في الشارع بانتظار طلة أو نظرة.. فلا تكون النجوى أكثر من نظراتٍ وإشاراتٍ أو شفراتٍ يتقنها المحبـّون!.. وكم من شباك وشرفة و”شنشولة” سجلها التاريخ.. وخلّدها الأدب وغنـّاها المطربون.. من شـرفة روميو وجولييت لشكسبير.. الى شـناشيل ابنة الجلبي وشباك وفيقة للسياب.. مروراً بالكثير سواها..

ولعل حوارَ الشبابيك يحيلنا لقصة طريفة رواها الشاعر المرهف أحمد رامي حين اعترفَ ذات مرة انه كان قد هامَ حباً في فاتنةٍ تراءى له ظلـُّها من خلف “مشربيّتها”.. وظلّ يناجيها ردحاً من الزمن من شرفة بيته في حي السيدة زينب.. فيكتب لها القصائدَ ويسهر الليالي وهو يراقب معشوقته علّها تبلّ رمقَ المشتاق حين تفتحُ شـبّاك مشربيّتها فيتبدى وجهها الذي ظل يحلمُ بجماله وفتنته.. حتى اذ آن الأوانُ وفـُتح الشباك تبيّن أن المعشوقة لم تكن سوى “قلة”! (آنية فخارية.. أو تـُنكََة بالعراقي).. والأطرف في القصة أن رامي كانَ قد نشرَ ديواناً كاملاً ضمّ بين دفتيه أروع قصائد الغزل بآنية الفخار!..

بقي الشباكُ والشرفة والرسائلُ المشفرة والمكتوبة وتلك التي يحملها الحمام الزاجل لغة التواصل بين المحبّين قروناً حتى إخترع غراهام بيل الهاتف.. لتتوالى بعده الإكتشافاتُ والإختراعات فتغدو ثورة تنصفُ العاشقين وتفتحُ شبابيك جديدة للتواصل بينهم.. ورغم ان الحبّ بقي حباً منذ فجر العصور حتى يومنا هذا.. الا أن شبابيكَ اليوم اتخذتْ شكلاً آخر.. أكثر تطوراً ربما.. لكنه أقلَّ دفئاً وحميمية من رومانسية الحب “أيام زمان”!..

فما أجملَ الهاتفَ المحمولَ الذي ينقل إلينا صوتَ من نحب أينما كان وأينما كنا!.. ما أجمل الإيميل وفيسبوك وتويتر وفايبر!.. ما أجمل سكايب وفيستايم وهو ينقل لي صورة حبيبي وهو في أبعد قارّة عنـّي فأراهُ وكأنـّه أمامي وبين يدي!.. لكنني ما أن أمدّ يدي لألمس دفءَ أصابعه وأتحسّسَ دفءَ أنفاسه وأتشمّم رائحة جسده.. حتى يلكزني بردُ الشاشة ليذكرني بهول المسافة!.. لكنه شبّاكي الجديد على أية حال.. وهو نافذة نجوايَ الوحيدة التي تـُخرجني من جمود يومي ووحدتي.. وسأبقى مثل فيروز العاشقة أهربُ منه لألقى حبيبي..

فنحنُ مازلنا بشراً رغم كل شيء.. ومازلنا نعشقُ ونبتدعُ شبابيكنا في كل عصرٍ ولكل زمان..

اُدندنُ وأنا أخرج من اليوتيوب.. واُحرّك يديّ مثلما فعل المطرب محمد منير وهو يغني: “شبابيك.. الدنيا كلها شبيابك!”..

21