شـموع

الأربعاء 2014/11/26

كتبتُ مرة: “للشمعةِ رائحةُ الحرب”..

فقد كنت كلما رأيت شمعة أو شممتُ رائحة فتيلة شمعٍ تحترق أتذكر حروبنا.. فلي مع الشموع تاريخٌ طويل امتدّ منذ طفولتي وحتى اليوم..

كنت طفلة يوم اندلعت الحربُ العراقية ُالإيرانية.. وكانت الحكومة قد اتـّبعت خطة قديمة تلزمنا بـ”التعتيم” و”ترشيد الاستهلاك”.. فكانت كهرباء المدينة تنقطع ساعاتٍ طوالا.. وكان ضوءُ الشمعة المتراقص وأصواتُ القذائفِ وهديرُ الطائرات يشكلُ لوحة كولاجية لمشهد الحرب.. فنما في داخلي الإحساس الأول بارتباط الشمعة بالحرب.. وإذ طالت الفواجعُ وعبرت حدّ التوقع.. بدأنا نحاول أن نعيش حياتنا الطبيعية في ظل تلك الظروف غير الطبيعية.. فتعلمنا أن نقرأ على ضوء الشموع وأن نذاكر دروسنا.. وتعلمنا أن نعيد صناعة ما يذوب منها فنتفنّن في ابتكار القوالب والأشكال ونكتشفُ أنواع الفتائل الأفضل.. و..الخ.

ويمر الوقت وتختفي ظاهرة ُانقطاع الكهرباء.. وتنتهي الحرب.. لتبدأ بعدها حربٌ أخرى أقصرُ زمناً وأكثر شراسة.. ونبدأ بتعلم مهارات جديدة في مواجهة الموت ومحاولة تعلُّم الحياة في ظل حرب جديدة بـ”نكهة” جديدة وجنون جديد.. وهذه المرة لم ينقطع التيار الكهربائي لساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين.. بل لقد دمّروا محطاتِ العراق عن بكرة أبيها.. وجعلونا ندفع ثمن عنجهية الآخرين ليعاقبونا بظلماتٍ امتدّت شهوراً.. وبقيَت الشمعةُ، التي رافقها هذه المرة الفانوس والـ”لالة”، أسياد المشهد.. ولولا سواعدُ أبناء البلد المخلصين لعشنا في الظلام دهوراً.. وهو ماعشناهُ ضمناً رغم عودة الكهرباء!.. وما بين عراق 1991 وعراق 2003.. مرّت حروبٌ خاطفةٌ لا يتذكرها حتى الكثير من العراقيين.. كانت أميركا تشنُّ حروباً عابرةً للقارات في كل حين.. ولكنها لم تكن لتدومَ أكثر من أيامٍ قلائل.. وبما أننا شعبٌ تعلّم فنَّ التعايشِ مع الكوارث.. فلم تكن تلك الهجومات لتندرجَ عندنا تحت بند الحروب.. بل كنا نسميها: “ضربة”!.. وبقيَت الشمعة عبر السنين رفيقة النضال والمعاناة والرعب حتى ما بعد عام 2003 وما تبعها.. بدءاً بالاحتلال وليس انتهاءً بالحروب الطائفية.. حتى بلغنا فصل داعش من مسلسل الدمار الطويل..

وحلت محل الشمعة مولدات الكهرباء المنزلية وبدائل الإضاءة الصينية المنشأ.. لكن الاستعانة بالشمعة لم تنقرض.. فهي الحل الأسهل الذي نشعله لنلعن الظلام.. والصديق الأقرب.. ولنا معها “عِشرةُ عمرٍ لا تهونُ إلا على ابن الحرام!”..

حين زرت فنلندا لأول مرة عام 2007 بعد أن تركت العراق وعشت في أرض الكنانة.. وكنت اُلبي دعوة لحضور مهرجان شعري في مدينة “لاختي”.. استلمت غرفتي في الفندق الصغير الجميل المطلّ على البحيرة.. ووجدتها ملأى بالشموع.. حزنتُ في سري وأنا اُحدث نفسي بجديّة دامغة: يا إلهي!.. إنهم يعانون مثلنا من انقطاع الكهرباء!.. ولم يتبادر إلى ذهني ولو لحظة أن هذه كانت طريقتهم للاحتفاء بي كوني الشاعرة الوحيدة القادمة من الشرق!.. كانت هذه ربما هي المرة الأولى التي أجد فيها للشمعة رائحة الاحتفاء والرومانسية.. لا رائحة الحرب!..

واليوم إذ ابتعدت بالزمن والمكان عن الدمار.. بدأ البعد يمسّدُ أثرَ الجرحِ الغائرِ ويمارس علاجاً طبيعياً لما خلّفتْهُ فيَّ الحروبُ من كسورٍ ورضوضٍ نفسية.. بعضها مستعصٍ وبعضها قابل للشفاء.. وبدأتُ أتعايشُ مع الشموع وأجدها رمزاً للأمل.. واستذكاراً للغائبين.. وصرت اُحبّها وأوقدها كل يوم.. كيف لا؟.. وهي صديقة عمري؟..

صباحكم شموع من أمل وحب وسلام..

21