شفافية صحافية في خدمة المسؤول

أغلب الصحافة في العالم العربي وبصفة عامة لا تستطيع الاقتراب من الخطوط الحمراء المتعلقة بالسياسيين ممن هم في الحكم ويتمتعون بالسلطات أو هم جزء من السلطة ولهم تأثيرهم.
الثلاثاء 2019/07/02
وضعية صعبة

سهل هو اتهام الصحافة بشتى الاتهامات، أنها مأجورة أو صفراء أو منحازة وصولا إلى ما اتهمها به الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنها صحافة ضد الشعب واتهمها أيضا بالكذب والخيانة وبالطبع كان يقصد صحفا أميركية بعينها.

لا شك أن مشكلة الصحافة تكمن في خطابها، إن كان موجعا ويلامس الوتر الحساس أو يمس شخصا أو مؤسسة أو مسؤولا حكوميا من اليد التي فيها الألم فيزيدها ألما.

ولهذا تصبح الصحافة مغضوبا عليها ما دامت سائرة على هذا النهج: خطابها الجريء والموضوعي، قدرتها على كشف الحقائق إلى الرأي العام بأمانة ومسؤولية، عدم التستر على هذا أو ذاك لأسباب مصلحية ونفعية، وختاما أن تتمثل قيمة وفحوى السلطة الرابعة بكل ما تعنيه.

تاريخ الصحافة مثلا لا يمكن أن ينسى روبرت وودوارد الذي تصدى لفضيحة ووتركيت التي أدت إلى إسقاط الرئيس نيكسون سنة 1974 كما لا يمكن التغاضي عن الحملات الصحافية القاسية التي لاحقت الرئيس بيل كلينتون بسبب فضيحة مونيكا كيت وفضيحة وايت ووتر والتي أدت إلى سحب الثقة عن الرئيس.

بإمكان الصحافة أن تتولى هذه المسؤولية الضخمة، ولكن من أين لها أن تمتلك القوة والبسالة في مواجهة المسؤولين من مختلف المستويات وبطشهم وإيذائهم وابتزازهم؟

أغلب الصحافة في العالم العربي وبصفة عامة لا تستطيع الاقتراب من الخطوط الحمراء المتعلقة بالسياسيين ممن هم في الحكم ويتمتعون بالسلطات أو هم جزء من السلطة ولهم تأثيرهم.

قبل مدة مثلا أثيرت قضية تتعلق بالفساد في العراق، وكانت تتعلق بأحد أقارب المسؤولين، نقلت الصحافة الخبر كما هو وكما وردها من السلطات مع المثبتات الجرمية أو الأدلة على التورط في قضايا فساد.

ولأن المتهم ضمن سلالة السلطة الحاكمة، وما يتعرض له أقارب المسؤول يساوي التعرض للمسؤول نفسه، فقد كان على السلطات أن تثبت أنها لم تتعرض بسوء للمتهم الموقوف وأنه لم يتعرض لأي شكل من أشكال التعذيب وأنه يتمتع بصحة جيدة.

وبالفعل نشرت الصحف وتحت شعار الشفافية وثائق من مستشفيات معتمدة وأطباء معتمدين وهم كثر لكي تبرئ سلطات التحقيق ذمتها أنها لم تتعرض للمتهم بسوء.

الصحافة نقلت ما وصلها من وثائق الكشوفات الطبية كاملة بكل أمانة وإخلاص.

لكن العجيب أن هذه الصحافة ومن يقوم عليها لم تسأل نفسها سؤالا صارخا محددا وهو: يا ترى هل أن كل مواطن يتم احتجازه تتفرغ له المستشفيات والأطباء لفحصه ويتم نشر التقارير التي تثبت أنه في صحة جيدة ولم يتعرض لسوء؟

ولو افترضنا جدلا أن الصحافي أو المحرر نفسه تعرض للموقف نفسه فهل يتم الاحتفاء والعناية به صحيا إلى هذه الدرجة؟

بالطبع إن الجواب واضح، أن الشفافية الصحافية والصحية هي في خدمة المسؤول وذوي المسؤول.

وبالتأكيد أن ذلك المسؤول يرعد ويزبد ويتعهد للعائلة والقبيلة أن من فعل تلك الفعلة سوف يدفع الثمن وأن (ابننا) البار سوف يخرج حتما وتبطل التهم الموجهة إليه.

الصحافة الساكتة والتي تتعامل بالشفافية بحسب الضرورة تخاف بشكل مؤكد أن تتهم بأنها صفراء وكيدية ومغرضة ومنحازة إن هي لاحقت قصصا حساسة من هذا النوع بل إن هنالك من الصحافيين من يخاف على نفسه وعلى مؤسسته الصحافية مما يمكن أن يلحق بها إن هم مضوا في الاستقصاء والتحري أو كشفوا الكيل بمكيالين: ما بين المسؤول وجميع أقاربه وبين المواطن العادي الذي لا بواكي له في محنته ولا أحد يسمع صرخته وآلامه، وهنالك من الصحافة والصحافيين من يكتفي بالفرجة لأنه مشغول بما هو أهم: صحة وسلامة أقارب المسؤول.

18