شفاهة معاصرة.. ثقافة اعتناق الكذب

الأحد 2014/11/30
زقاق في شفشاون شمال المغرب

حين نسعى للتملص من التزام فكري نخلده شفاها، نقوله ولا نكتبه، لهذا كانت كل الأفكار الإنسانية الملتبسة لا مراجع لها، مثلها مثل الشعارات السياسية الخارقة لمبادئ الثبات والامتداد، تنهض عبر التداول غير المكتوب، شفاها بالأثير أو الخطاب المباشر. إذ أن الإرادات لا تقال وإنما تكتب، توضع دوما عند إمكان التملص، فنحن لا نكتب إلا ما نبتغى وضعه حجة أمام الرافضين له، ليس برغبة تطبيقه وإنما بشهوة وجوده مكتوبا، مبدئا ودليلا على الاعتقاد.

الإرادة -إذن- والكتابة لا تنفصلان، حيث إن الشريعة ديوان محبور، دليل على تراض مرغوب فيه، قصاراه الوحدة لا الخلاف، بينما الشفاهة غدر وهروب، لذا كانت الأخبار والمآثر والأشعار العربية المروية شفاها موئل سجال. وإنما أحدث التدوين كشرط للالتزام، وكان تأخر التدوين عربيا قاعدة لنشوء الكذب الفكري والأدبي، وللتلفيق المهذب الذي يؤنس ويسمر، كما كان علة لتقليد سمي تاريخيا (حين أراد العرب أن يلتزموا شيئا ما) بالتصانيف، التي هي نقيض المؤلفات، فالتصنيف رجم بالغيب وترك للتحقيق، بينما التأليف التزام بالصدق، التأليف قرين الشخص، لا يبرحه، بينما التصنيف نقل للأخبار والتراجم والطبقات، طبقات المختلف فيهم، وتراجم البعيدين، وأخبار غير المحققين. وفي المجمل كانت كلها كتب سعت إلى تجاوز مبدأ الشفاهة والريبة، إلى المدونات التي تختلف في مبدأ تدوينها، فما قد يدونه المصنف بعد سنوات من منقولات هو شرعي بالنظر لسلسلة المخبرين.

هكذا تناقضت المرويات وتقاطعت وتضاربت ونسخ بعضها الآخر، كانت علة عدم الالتزام غياب التدوين، ففهم التناقض، وبتنا اليوم وارثين لمنة التناقض في الفكر العربي والإسلامي، نحاول أن نتجاوز نكباتها بالتأويل ومراجعة السياقات. حين نشأت الكتابة توارى عدد كبير من الشعراء والخطباء، تقدمت علوم اللغة والآلة والعقيدة، إذ لا يمكن أن نتصور علما يتواتر شفاها كأبيات الشعر، العلم سواد على بياض. لا جرم إذن أن تكون الكتابة قرينة التقدم، والسير إلى الأمام، وطرح الريبة والتردد جانبا، كتبت كل الأفكار الواضحة والداعية للتقدم، وبسطت نقائضها شفاها في الحلقات وعبر الفضائيات، جملا ركيكة مشفوعة بأخطاء في النحو، وركاكة في التعبير، وكذب في النقل، بات المؤكد هو الشخص الراوي لا مضمون الرواية، وسرعان ما صار التأكد واليقين غير ذي بال، صار شغلا للخبراء فقط، أما الفكرة وذيولها فلا قيد لها، هي مطلق الاعتقاد المفتوح على الرواية المنقولة من الداعية لعموم الناس للمؤهلين لاعتناق الكذب البراح.
حين تتأمل اليوم في كنه التخلف نجد مبرراته في إدمان الشفاهة، من الدعوة إلى الدولة، ومن اليقين إلى الشهوة، أغلب نجوم الإعلام العربي اليوم، هم نتاج الشفوي

وحين تتأمل اليوم في كنه التخلف نجد مبرراته في إدمان الشفاهة، من الدعوة إلى الدولة، ومن اليقين إلى الشهوة، أغلب نجوم الإعلام العربي اليوم، هم نتاج الشفوي، خلاصة عدد محصور من المقولات الفكرية والنقدية والفلسفية والدينية، استشهادات قد لا تتجاوز المائة قول مأثور، تصرف بشكل كاذب ومنحول لعشرات الأسماء الموجودة في شتى الحقول المعاصرة.

وقفت على هذه الحقيقة في النقد الأدبي مئات المرات قبل أن أكتشف تبعاتها في الحقول المجاورة فمن إبداعات النقد العربي المعاصر أن تجد نقادا عديدين يكتفون بالحديث عن الرواية والمسرح والشعر والقصة القصيرة في دائرة الاحتفاء، دون تجاوز لتلك الدائرة إلى نشر ما قالوه، لأن في النشر التزاما أكيدا، بما قيل وما عقّب على قولهم، ولأن فيه من الكذب على المراجع قدرا محترما، ومن الصراحة أقدارا غير محترمة، وفي النشر قطع للصلة مع المقول عنه وله، ودليل على الكذب في الاستشهاد.

قبل أسابيع قليلة قرأت منشورات مغربية عن “النقد الثقافي” و”دراسات ما بعد الاستعمار”، كل من ساهم فيها لا يعرف الإنكليزية، بل إن معرفة أغلبهم بالفرنسية متوسطة، وكان ثمة تسويغ لأسباب هذا الاختيار يندرج في سياق تبجيل تركة إدوارد سعيد ، لكن ما غاب هو الإقرار بأن هذا النحو من التحليل النقدي كان مجرد فكر شفاهي تتداوله الألسنة في حلقات الكذب الأكاديمي، للنقد المغربي، طبعا توجد استثناءات، لكن تلك الاستثناءات كتبت بلغات غير العربية، ولم يبشر بها الدعاة، تجاوزت آلة الإعلام بشهواتها الشعبوية غير الملتزمة.

لا جرم إذن أن تكون الكتابة قرينة التقدم، والسير إلى الأمام، وطرح الريبة والتردد جانبا

أسوق كل هذه المقدمات وفي ذهني سؤال أساسي مفاده: هل النقد الأدبي العربي اليوم، هو شيء مختلف عما نقوله يوميا بشكل تلقائي عن دواوين أصدقائنا وقصصهم، ورواياتهم، ومسرحياتهم، وأفلامهم؟ هل هو تلك الكلمات المدبّجة على عجل لفائدة جريدة أو مجلة، تلك الخلاصات التي نقر بيننا في جلساتنا الحميمة أنها كذب براح، وأنها سد خانة وأنها تذكرة مرور لما بعد الديوان والرواية والمجموعة والقصصية والمسرحية؟

بين يديّ الآن عدد كبير من مطبوعات وزارات الثقافة العربية، أعرف أنها قدمت للناشر الرسمي للدولة كليّ ذراع، بعد طرق كل الأبواب، هي طبعا واجب للمؤسسة أمام دافعي الضرائب، لكنها أيضا مدونة، تخل بمبدأ الالتزام؛ التزام الذي يقضي بأن المكتوب هو شرط لمناقضة الكذب، فالأصل فيها شفوي براح، هو خلاصة جمع ما لا يجمع، خلاصة تلك الندوات التي لا يحضرها أحد، ولا تحضر لها إلا رؤوس الأقلام، وبما أن الدولة العربية المستبدة تضيق بالمتواتر والمدوّن والمرجعي، فلا يمكن أن تطبع إلا تلك الشفويات المعاصرة، والكذب في تلك المنشورات كثير، فقط لأن الدولة صدرها واسع، ولأنها تبغض الكتابة، وتلقي جوهرها الأساس شفاها عبر الهواتف الثابتة والنقالة.

13