"شفرة فضائية".. مشروع سري ضحاياه رقميون بارعون

فكرة الفيلم تدور حول قمر اصطناعي أسقط من المدار، ليكتشف الباحثون أنه يحمل رسالة مشفرة قادمة من المستقبل من عالم أكثر تطورا.
الاثنين 2018/07/02
خيال علمي ببعد نفسي عميق

في فيلم “شفرة فضائية” للمخرج ميكائيل كوني (العرض العالمي الأول 2018) سيكتسب العالم الخارجي والفضاء المجهول شكلا آخر ومعالجة درامية مختلفة، وذلك بالتداخل المدهش بين العالمين.

ومع المشاهد الأولى، سوف يكون أليكس (الممثل كيل كالنر) في مواجهة قدره، هو وحيد في بيته ويكتشف جثة هامدة له، ومعها رسالة موجهة إليه في شكل فيديو في علبة ذاكرة رقمية تروي ما جرى له،

وكل ذلك في المستقبل، وما بين مرويات أليكس ومسار الأحداث سوف نشهد دراما فيلمية متقنة وسيناريو مكتوبا بشكل بارع ومتميز.

أليكس، شاب نابغة في المجال الرقمي، وهو متمكن من فك الشيفرات الرقمية المعقدة، حيث سبق أن أوقفته وكالة ناسا عن العمل وحذرته من المضي في فك الشيفرات، لكنه الآن مطالب بمرافقة مندوبة مشروع سري إلى حيث يقوم بفك شيفرات معقدة لقمر اصطناعي مجهول.

ومن هناك، تظهر ريبيكا (الممثلة ماري مكورماك) مصحوبة بسيارات دفع رباعي وحراس مطالبة بإحضار أليكس، مستغلة حاجته إلى المال، فيوقع معها عقدا يلزمه الصمت الكامل بخصوص المشروع، وبالفعل يتم تخديره لكي لا يعلم إلى أين هو ذاهب، وهناك يمضي أياما داخل مبنى مغلق معزول عن العالم الخارجي.

 

الفضائيون في سينما الخيال العلمي، ثيمة تعوّد أن ينطلق بها سينمائيون متخصّصون في هذا النوع من أفلام المغامرة والتشويق لمقاربة ولوج كائنات أو أجسام فضائية إلى عالمنا، إشكالية مبنية على الافتراضات حينا وعلى الخيالات أحيانا وعلى مؤشرات واحتمالات في مواضع أخرى، وما بين كل ذلك، بماذا يمكننا أن نخرج والتجريب متواصل في هذا النوع الفيلمي الذي ينحت في صخرة المستقبل ليقدّم لنا شكلا مختلفا وموضوعا مؤثرا؟

والفكرة برمتها تدور حول قمر اصطناعي أسقط من المدار، ليكتشف الباحثون أنه يحمل رسالة مشفرة قادمة من المستقبل من عالم أكثر تطورا.

وعند هذا المفصل في السرد الفيلمي سوف يمتزج الإيهام مع الواقع، فمن يدخل المشروع يتم زرع ورم قاتل في دماغه يجعله يرى ما لا يراه البشر العاديون، وفي نفس الوقت يبدأ العد التنازلي لموته.

تنتهي مهمة أليكس بفك الشيفرة، ثم يكتشف أن بيث (الممثلة أزورا سكي) هي الأخرى باحثة رقمية بارعة، كانت ضحية ذلك المشروع ويقرران المضي للوصول إلى الحقيقة وإيقاف المشروع الخبيث الذي تدعمه الحكومة، وقد دمّرت حياتهما بالورم القاتل لا لشيء سوى لأنهما نابغان في تخصّصهما الرقمي وهذه مكافأتهما.

وفي الوقت نفسه سوف تتكرر زيارة كائنات يفترض أنها فضائية، وهي تلاحق أليكس وعالما آخر للتعرف على أسباب قيامهما بفك الشيفرات.

ولعل من أجمل الحوارات وأكثرها إتقانا وجمالية تلك التي تتم بين أليكس والفضائي في الجزء الأخير من الفيلم، حيث يمتد الحوار بعيدا إلى إشكالية الوجود والحياة والفارق بين إحساس الآدميين وسلوكهم، في مقابل أولائك الفضائيين المجهولين، براعة في الحوار أضفت جمالية أخرى على الفيلم.

وحمل الفيلم بعدا نفسيا عميقا أكمل ثيمة الخيال العلمي وعمقها، وذلك من خلال الإحساس بالعزلة والخوف وتقدّم ساعات الموت، بالنسبة لأليكس وبيث، فكلاهما يعلم تحديدا الأيام والساعات التي بقيت له في الحياة، ولهذا يكون لقاؤهما وعملهما معا بمثابة لقاء الساعات الأخيرة.

إحساس مروّع قدّم شخصيتين مُلاحقتين من جميع الجهات، بالمرض الذي استنبته مركز الأبحاث في جسديهما، ومن قِبل الفضائيين والقائمين على المشروع السري في آن واحد.

ولعل الحبكة الثانوية الأكثر قوة تمثلت في تمرّد ريبيكا على رؤسائها وانضمامها إلى أليكس وبيث إلى درجة أنها تأتي لهما على عجل لكي تحذرهما من أن قوة قادمة سوف تجهز عليهما، وفي أجواء من الهلع الحقيقي يسارعان إلى الهرب، فيما فريق المشروع ينتقم من ريبيكا وينهي حياتها.

وبدا واضحا تعميق الجانب الإنساني في المعالجة الفيلمية، من خلال طرح أزمة الإنسان المستلب الذي عليه أن يكون راضخا لما يؤمر به، بالتوازي مع فرضية الغرباء والفضائيين التي تم الاشتغال عليها بعناية وببساطة أيضا.

وينتمي فيلم “شفرة فضائية” إلى فئة الأفلام قليلة التكلفة إنتاجيا، وهي الميزة الملفتة للنظر التي استطاع المخرج وفريق العمل من خلالها تقديم فيلم متماسك وعميق الدلالة ومصنوع فنيا بمهارة وبإمكانيات فنية محدودة غلب عليها التمثيل في أماكن حقيقية، حيث كانت أزمة الشخصيات في كل مرة تغني عن المستلزمات الإنتاجية الضخمة، فضلا عن استخدام متوازن للحوار والموسيقى.

وعلى صعيد السرد الفيلمي تم الاشتغال على ثلاثة خطوط سردية في آن واحد، الخط الأول اشتمل ذلك الطابع الحواري بين أليكس في صورتيه الحاضرة والمستقبلية، ومحاولة الشخصية الحاضرة تلمس طريقها وسط الأزمة.

أما الخط الثاني والأهم فهو الذي يتطور تصاعديا على صعيد الدراما الفيلمية ساعة لقاء أليكس مع بيث وإكمالهما المهمة في أقبية المشروع، وتلك وحدها معالجة بارعة صوريا، حيث حركة الأشخاص محكومة بقوى جاذبة وأخرى تشل الحركة.

وفي الخط الثالث تتجلى أسرار المهمة بلقاء أليكس وبيث مع العالم مايلز (الممثل ريتشارد شيف) الذي يروي لهما وجها آخر من وجوه ما يجري من مشاريع الفضائيين، واستخدام المدار القمري وقصة القمر الاصطناعي والرسائل المشفرة للإيقاع بهما.

16