شفشاون.. قرون الجبل تلتحف الأزرق في الريف المغربي

الخميس 2015/04/09
شيدت شفشاون لإيواء المسلمين واليهود المطرودين من الأندلس عام 1471م

لأنّها ساحرة بلونها السمائي وخلابة بتنوّع طبيعتها، اختارت مدينة شفشاون المغربيّة، أن تُحيك لنفسها ثوبا تزاوجت فيه ألوان السماء والشلالات المحيطة، فانعكست زرقتها على كلّ ما في مدينة سمّاها أمازيغها بقرون الجبل.

يَحسب الزائر لمدينة شفشاون، الواقعة غرب سلسلة جبال الريف المغربية، أنها وُلدت من رحم السماء، فكلّ ما على أرضها، من طرق وأسوار وجدران ومنازل وأبواب ونوافذ، يرتدي زرقة السماء.

فضّل عبدالسلام المؤذن، المرشد السياحي، الانطلاق بزوّار مدينته الزرقاء في جولة يبدأها بساحة “وطاء الحمام”، مرورا بالقلعة العسكرية المحاذية، وعين رأس الماء، والقمم الجبلية المحطية، دون أن ينسى الأزقة، ودكاكينها التي تعجّ بالصناعات التقليديّة.

اللون الأزرق الذي تلتحف به شفشاون له سرّ، يختزل في خليط مكوّن من مادتي الجير والنيلة، الذي يمنح الأهالي لونا أزرق يزينون به منازلهم وجدرانها ومحلاتهم التي حافظت على رونقها العتيق وعمارتها التقليديّة، دون أن ينخرها بهرج البناءات العصريّة.

يقول المؤذن “ننطلق من المدينة بجولات إلى المحمية الطبيعية لتلسمطان، حيث توجد أشجار الشوح، وهي المنطقة الوحيدة بالمغرب التي تضمّ هذا الصنف، إلى جانب تنوّع كبير في الغطاء النباتي، كما يمكن استكشاف شلالات وقنطرة طبيعية، وزوايا صوفية متنوّعة بالمنطقة”.

المدينة تحافظ على طابعها التاريخي العتيق إلى اليوم

يُذكر أنّه قبل أن تُشيّد المدينة، على أيدي الأمير علي بن راشد لإيواء المسلمين واليهود المطرودين من الأندلس عام 1471م، كانت المنطقة تسمى بـ”الشاون” وهي كلمة أمازيغية تعني “قرون الجبل”.

أوّل ما بُني في المدينة هو قلعتها العسكرية التي تحتلّ معظم ساحة وطاء حمام، قبل أن يُشيّد المسجد الأعظم، ومحلات الكتبيين الذين يعملون في مجال نسخ النادر من الكتب ثمّ بيعها. وعن هذا المسار الطويل، يقول المؤذن “عندما بُنيت الساحة المحاذية للقلعة، تمركز بها الكتبيون قبل أن تتحوّل دكاكينهم لاحقا إلى محلات تجارية، ومخازن للحبوب والزرع، وهو ما جعل الحمام يتخذ من الساحة موطئا له يلتقط منه الحبوب، ليصبح اسمها وطاء حمام.

تحوز مساحة شفشاون 10.4 كيلومتر مربع، فيما يبلغ تعداد سكانها حوالي 50 ألف نسمة، وبين الأزقة العتيقة للمدينة تعرض الدكاكين الصغيرة المنتجات التقليدية لصناعاتها من منسوجات صوفية وأثواب ومجسّمات ديكور تحاكي أبواب شفشاون ونوافذها، غير أنّها تروّج أيضا الصناعات التراثيّة المصنّعة في مناطق مغربيّة أخرى، كالصناعات الجلدية والحلي الفضي والثريات النحاسية التي تُعرف بها البلاد.

من مسارات تلك الأزقة وساحة وطاء الحمام والقلعة العسكرية بداخل المدينة، ينطلق الزوّار الأجانب إلى خارج شفشاون، حيث عين رأس الماء التي تطلّ على القلعة، وبجوارها تمتدّ محمية تلسمطان الطبيعية، حيث توجد أشجار الشوح، وهي نوع من الأشجار ينتمي لفصيلة الصنوبر، تلك هي المنطقة الوحيدة في المغرب التي تضم هذا الصنف الشجري، فضلا عن تنوّع كبير في الغطاء النباتي كشجر البلـوط الفليـني والأرز.

في هذا المكان الخلاب، يمكن استكشاف شلالات وقنطرة طبيعية، وزوايا صوفية متنوّعة تختزنها المنطقة، مثل الزاوية الشقورية والدلائية والدرقاوية والحراقية والعلمية.

هنا لا يتردّد زوّار المدينة الزرقاء في اقتناء ما يرغبون فيه من نباتات طبية وعطرية، مثل الزعتر والريحان وورق سيدنا موسى والخزامى، نباتات جبليّة جالية تجنيها القرويات من الجبال المجاورة، وتين مجفف تشتهر به المنطقة، إلى جانب جبن الماعز، وزيتون معدّ بطرق خاصة، حيث يُصبّر الزيتون دون استخدام الملح والاكتفاء بشقّه ووضعه بالماء.

تدفّق المياه من شلالات صغيرة برأس الماء، لا يمثل لزوّار المدينة، سوى مشهد يختزل ما تزخر به شفشاون من تنوّع طبيعي أخّاذ، يتناغم مع عمارتها الزرقاء الاسـتثنائيّة.

20