شفيق الغبرة: بين الخشب والضوء حوار لا ينتهي في فضاء الفن الوظيفي

الجمال والمنفعة يجتمعان في منحوتات سورية.
السبت 2021/01/23
تكوينات تستلهم مفرداتها التشكيلية من الحيوان

ليس غريبا أن يبدع الإنسان أفكارا جديدة يُوجد من خلالها آفاقا فنية عميقة، فالتاريخ حافل بالإبداعات التي حرّكت الساكن وأتت بالجديد. وفي دمشق، واحد من هؤلاء. فبعد أن تقاعد من عمله الجيولوجي عمل شفيق الغبرة نحاتا على الخشب وأوجد فيه حوارا بينه وبين الضوء، فكيف كانت النتيجة؟

دمشق - توجّه الإنسان منذ القدم  إلى الخشب ليكون أحد مقومات حياته في صنع مستلزمات يومية يحتاجها وكذلك ليشكّل منه أعمالا فنية جميلة تنمي لديه الحس الجمالي والذوق العام، ومن خلال هذه الأعمال خلّد  الكثير من هواجسه وأحلامه الفنية والإنسانية.

ووجد الإنسان في مادة الخشب سبيلا له للقيام بتشكيل منحوتات غاية في الجمال والدقة، فصنع منها تزينات الأبواب والمنابر والكراسي الفخمة، وكذلك الصناديق وغيرها. فقام بالحفر عليها حينا أو نحتها وتلوينها في أحيان أخرى، فشكّل منها ومن خلالها رسومات لأنواع من النباتات وكذلك الحيوانات.

وتضافرت صيغة النحت على الخشب مع العديد من الفنون المكمّلة فخرجت أعمال إبداعية جميلة أرّخت لمراحل حضارية هامة، وعاش هذا الفن وتأصّل في العديد من البلدان، وكان لبعضها مكانة خاصة فيه، كما في دول حوض البحر المتوسط، حيث تكثر أنواع الخشب وتتمايز طبيعته بحيث يكون قاسيا حينا وليّنا حينا آخر ممّا يساعد المبدع في خلق تشكيلات نحتية مختلفة تناسب تنوّع أفكاره وتعدّدها.

فكرة مبتكرة

شفيق الغبرة: التناغم بين الخشب واللون يحتاج فهما لطبيعة الضوء وشدّته
شفيق الغبرة: التناغم بين الخشب واللون يحتاج فهما لطبيعة الضوء وشدّته

في فكرة جديدة تشتغل على موضوعة النحت بالخشب، يقدّم المهندس والفنان السوري شفيق الغبرة تجربة فريدة وسمها باسمه في أجواء الفن السوري، وهي تضافر الضوء والخشب، منطلقا من فكرة أن يُوجد شيئا يحمل قيمة جمالية ونفعية معا. فمنحوتات الغبرة تتكامل فيها مادة الخشب مع الضوء لتظهر في تكوينات جديدة تحمل كل جديد متميز.

والرجل الستيني، الذي تقاعد من مهنة الهندسة الجيولوجية، رفض أن يكون مستسلما للفراغ، فمع وجود ساعات طوال من الوقت لديه بعد تقاعده عن العمل، اتجه ليكون هاويا في فن النحت على الخشب وليبدأ حوارا عميقا وسمه منذ معرضه الأول بـ”حوار الضوء والخشب”. وقدّم خلال سنوات ماضية معرضين فنيين استعرض فيهما مجموعة من الأعمال التي بلورت هذه الفكرة.

وقبل أيام وفي المركز الثقافي في حي أبورمانة بالعاصمة السورية دمشق أقام الغبرة معرضه الثالث المعنون بـ”حوار الضوء والخشب 3″ وسط اهتمام بتجربته التي صارت حدثا فنيا له متابعوه ومريدوه، والذين ينتظرون المزيد من الإبداعات الفنية التي يقدّمها في كل ظهور جديد له.

وعن المعرض يقول “بعد توقّف دام عاما كاملا بسبب تفشي وباء كورونا، كنت فيه أداعب منحوتاتي في مشغلي الخاص، قرّرت أخيرا تقديم هذا الجهد الفني إلى الناس، عبر معرضي الثالث الذي لاقى، والحمد لله، قبولا واستحسانا لدى الجمهور”.

ويضيف الغبرة “حاولت من خلال هذا المعرض تقديم شيء مغاير من خلال 60 عملا مزجت فيها الخشب والضوء بأشكال وتكوينات مختلفة، واعتمدت فيها التجريد من خلال تشكيل أنواع مختلفة من الخشب بالكتل والأغصان، لجعل المتلقي يقرأ العمل بطريقته الخاصة”.

وحول استخدامه للضوء مع المنحوتة ذكر الفنان السوري أنه يسعى بهذا الدمج إلى “خلق نوع من التناغم والحوار بين الضوء والخشب”، مؤكدا “وجود تجديد في كل معرض بنوعية الضوء الذي يدخله للعمل وطبيعة العمل النحتي”.

والغبرة يقوم بالنحت على مختلف أنواع الخشب المأخوذ من شجر الجوز والسنديان والصنوبر والكينا، وكذلك خشب التوت اللين الذي يعتبره أقرب الأنواع إليه كونه يجسّده في الشكل الذي يريد.

وفي المعرض الأخير يقدّم الغبرة مجموعة من الأعمال التي تتّحد فيها كتلة الضوء بالخشب لتشكّلا معا حالة فنية تحمل قيمة جمالية ونفعية. فالأعمال التي تتشكّل من خلال هذا الحوار هي أشياء يمكن أن تكون جزءا من ديكور المنازل فتكون مصباحا أو تحفة فنية أو طاولة أو كرسيا أو شيئا آخر. فتمنح المنتفع من هذه المنحوتات قيمة نفعية عبر تكوين جمالي محبّب يضفي على مقتنيها راحة نفسية وعلى المكان بهاء وإفادة.

دمج جمالي

مساحات من الأضواء والظلال
مساحات من الأضواء والظلال

“العرب” التقت الفنان السوري الذي حدّثنا عن الحوار الذي ما انفكّ يقيمه بينه وبين الخشب والضوء من خلال أعماله التي ظهرت في معارضه الثلاثة، فقال “حوارية الضوء والخشب فكرة فنية ابتكرتها من بنات أفكاري، لم أقلّد فيها أحدا وحاولت من خلالها دمج الضوء والخشب بحوارية جمالية تصنع تناغما بينهما، كون الخشب مادة جميلة حية، وأضفنا عليها الضوء ليظهر القيمة الجمالية لها، وكذلك فإن لهذه التحفة عملا وظيفيا محدّدا تقوم به بعيدا عن الفن والجمال”.

ويضيف “في كل عام أقدّم معرضا جديدا، إذ لم أنقطع عن العمل رغم كل المعوقات، قدّمت في معرضي الثالث شيئا جديدا ابتعدت فيه عن النمطية، فأنا أحب أن أكون متفرّدا في عملي وألاّ يسبقني فيه أحد. ومسألة غرس هذا الفن لدى الزملاء المبدعين أتركها للزمن. فيمكن أن يأتي فنانون آخرون لاحقا ويقدّموا أفكارا جديدة مطوّرة لهذه الفكرة، وهو ما أرحّب به”.

ويخلق الغبرة حواراته بين الخشب والضوء من خلال دمج منظم بين كتل الخشب واللون والضوء، وهي عملية تحمل مخاطر وصعابا، فالخشب قاس أحيانا ولين في أحيان أخرى وتناغمه مع الضوء يحتاج فهما لطبيعة الضوء وشدّته.

وعن ذلك يقول “من خلال تعاملي مع أنواع مختلفة من الخشب، ومعرفتي العميقة بها كلها، أعرف تماما ما هو الخيار الأفضل للفكرة التي سأنفذّها. مبدئيا لا أفضل نوعا محددا من الخشب على نوع آخر، ولكن الموضوع متعلق بالفكرة. فشجر الجوز قاس وليس طيّعا وأحب أن أعمل عليه، وأحيانا أعمل على شجر  الصنوبر الذي هو طري ومطواع، أنا أبحث عن الناحية الفنية الجمالية، عن الإبهار لدى  المتلقي  الذي يجب أن  يحب العمل وأن يتولّد لديه شيء روحاني تجاه العمل قبل أن يقيّمه فنيا. وهذا لا يعني أننا نتحيّز للعواطف، لكن العمل الفني معني أولا وأساسا بجذب الناس إليه”.

ويترك الغبرة في الأعمال التي ينحتها، للطبيعة مهمة تلوين مُنجزه، إذ لا يتدخّل إلاّ قليلا في عملية التلوين باستعماله مادة الريزين الملوّن، رغبة منه في ترك اللون الطبيعي هو السائد، وهو ما أعطى لونا شبه موحد للمعرض.

طموحات الفنان شفيق الغبرة في أعماله كبيرة وبعيدة، وهو القائل “طموحاتي كبيرة وعريضة وليس لها حدود، ولكنني أنطلق من إمكانياتي أولا، وأحتاج للمزيد من التشجيع. فالعمل الذي أقدّمه هام ومفيد على المستويين النفعي والجمالي.. وكل هذا حقّقته بدافع الشغف، بدأت هاويا والآن صرت  محترفا، لكنني مازلت شغوفا به، وأنا أعمل يوميا على موضوعات وأفكار جديدة حتى لا أكرّر نفسي”.

وعن أعماله الفنية الفريدة يقول الناقد التشكيلي عمار حسن، الذي صنّف تجربة الغبرة ضمن الفن الوظيفي، “ما يقدّمه النحات السوري عبر تشكيلاته الجمالية يخدم وظيفة استعمالية منزلية بقالب فني جديد، يمدّ القطع المنزلية بجمالية بعيدا عن برودتها المعتادة، منفّذا أعماله بطريقة عفوية ليصل إلى الجمهور العادي ببساطة بخلاف عدد من الفنانين المحترفين الذين يغالون في التجريد حتى تغدو أعمالهم بلا معنى أحيانا”.

14