شفيق عبود الذاهب إلى عالميته بحنين ريفي

الأحد 2014/10/12
عبود أحد رموز الحداثة الفنية العربية

لا يزال منه الكثير مما لم يُر بعد بالرغم من مضي عشر سنوات على توقفه عن الرسم بسبب وفاته. في غير مكان من بيروت رأيت رسوما منه تعود إلى مراحل فنية مختلفة لا تزال تحتفظ بنضارتها، كما لو أنها رسمت للتو. كما لو أنه رفع يده عنها قبل لحظات. كانت تلك الرسوم جزءا من زمنها الساحر غير أن ما تختزنه من جمال يجعلها قادرة على أن تقفز على حاجز الزمن لتذكر برسامها الذي هو حسب نزيه خاطر قام “بتخمير العنف الخام وتدجينه بالشعر، أي الغربة بالحنين والعزلة بالحب والمدينة بالمنظر الطبيعي”.


حلقة وصل بين بيروت وباريس


كان اللبناني شفيق عبود ابن المحيدثة التي ولد فيها عام 1926 هو أيضا ابن باريس التي فارق الحياة فيها عام 2004. وما بين الزمنين عاش عبود مغامرة انفتاحه على الرسم، بعد أن رفض دراسة الهندسة المدنية التي بدأها في لبنان ليغادر إلى فرنسا عام 1947 ويستقر هناك إلى لحظة وفاته بعد أن اندمج بمدرسة باريس الفنية وصار واحدا من روادها وهو ما أهّله ليكون واحدا من أهم رموزها في النصف الثاني من القرن العشرين.

هل كان عبود في أسلوبه التجريدي الذي يجمع اللون بالضوء حلقة وصل بين باريس وبيروت، أو بالأحرى بين الغرب والشرق؟ الثابت أن اندماجه بالحياة الفنية الباريسية بطريقة عضوية لم يكن عامل قطيعة بينه وبين مصادر إلهامه الأساسية التي تقع في المشهد الطبيعي اللبناني فكان تردده الدائم على بلده الأمّ مناسبة للتزود بالكثير من المعرفة الحسية، لا على مستوى الافتتان بالضوء وحسب بل وأيضا على مستوى الإنصات إلى ما فاته من حكايات، كان قد استهل شغفه البصري بها وهي تنساب على ألسنة حكواتية القرية مجسدة سير القديسين الذين تظهر صورهم في الأيقونات.


الإشراقي بين اللون والضوء


في بداياته الباريسية سعى عبود إلى استيعاب أسرار الجمال الذي تنطوي عليه رسوم بيار بونار وروجيه بيسيير ونيكولا دو ستايل (الأخير فرنسي من أصل روسي). وهو ما دفعه إلى التخلي عن أسلوب شعري كان قد هام به في لبنان ليكون رساما تجريديا خالصا. كانت غنائية أسلوبه مستلهمة من رسوم الثلاثة الذين صار فنه في ما بعد كما لو أنه الخلاصة الصعبة، بعيدة المنال لما كانوا يحلمون في الوصول إليه مجتمعين. يمكنك أن ترى الثلاثة في لوحة من عبود غير أن عبقرية موهبة لافتة استطاعت أن تشكل منهم عجينة لاختراع عالم تصويري جديد سيكون عبود ملكه من غير منازع.

لقد ارتقى بمرجعياته الفنية إلى مستوى الإشراق الصوفي فكانت سطوح لوحاته تضيء أشكالها بعلاقات يشتبك العقل من خلالها بالعاطفة فيمتزج التراثي بالمعاصر، الدنيوي بالمقدس، المرئي بالمتخيل ذهابا بالنغم إلى مستويات لا يمكن أن تتجسد إلا من خلال صفاء العين وهو ما دفع ناقدا وفنانا بحجم سمير الصايغ إلى الحديث عن قدرة رسوم عبود على النفاذ إلى ما هو أبعد من العالم المرئي، حيث يمكن قراءة تجريدياته حسب الصايغ من خلال العودة “إلى صدق القلب الذاهب عميقا وراء ما شفّ من الأحاسيس وما رقّ من المشاعر”.

اندماجه بالحياة الفنية الباريسية بطريقة عضوية لم يكن عامل قطيعة بينه وبين مصادر إلهامه الأساسية التي تقع في المشهد الطبيعي اللبناني فكان تردده الدائم على بلده الأم مناسبة للتزود بالكثير من المعرفة الحسية، لا على مستوى الافتتان بالضوء وحسب بل وأيضا على مستوى الإنصات إلى ما فاته من حكايات


سعادته وهي مصدر عدوى


شفيق عبود كما رأيت رسومه هو واحد من أعظم ملهمي السعادة في عصرنا، ما أن ينعم المرء برؤية رسومه حتى يشعر أن بركة من نوع خاص قد حلت في جسده. تعلمنا تلك الرسوم كيف نحتفي بالحياة من خلال الاستسلام لنشيدها المتدفق حبا وتحليقا وانتظارا لما هو أجمل وشغفا بما يُرى الذي هو مقدمة لما لم يُر بعد. شيء من الشعر الخالص الذي يقبض على لحظات الخلق الأولى ينبعث من كل سنتيمتر من تلك الرسوم. تواجهنا حياة جديدة، صافية ومنقاة من كل الأخطاء، مموسقة تدوزن خطواتنا وفق إيقاع تترامى أطرافه لتصنع كونا شاسعا من الألوان التي تمتزج بالضوء. كان يرسم بشعور غامر بالسعادة كمن يكتب يوميات حياة يشعر أنه محظوظ باقتناص أيامها يوما بعد آخر. لم تغب عن رسومه ذكرياته وكان يتجلى وهو يستعيد صورا مبهمة من طفولته التي قضاها وسط بيئة ريفية وشبابه الذي توزع بين محترفات الرسم.


يكتب ذكرياته رسما


كان يلذ له أن يكون رساما ريفيا، أخبرني وضاح فارس، وهو الذي تبني عرض رسوم عبود في باريس من خلال صالة عرضه قبل أن ينتقل عبود إلى صالة كلود ليمان، أن الرسام حين كان يعود إلى لبنان يرسم بطريقة مختلفة، تكون أقرب إلى الطبيعة منها إلى الفن. وهو ما لاحظته في عدد من رسومه التي كان قد أنجزها أثناء إقاماته اللبنانية. لربما كان في لبنان يتحرر من تأثيرات مدرسة باريس ليستعيد عالمه الداخلي الذي صار بعيدا. ذلك العالم الذي تملأه الحكايات بسحرها وأسرارها وفتنتها. في سلسلة “المقاهي الشعبية” التي رسمها عام 1990 استذكر عبود مشهد المقاهي المحاذية لشاطئ بيروت التي دمرتها الحرب الأهلية. كان هناك ما يستحق أن يبقى خالدا من الذكريات. ما ينقذ الرسم من بلاغته التجريدية التي قد تكون محل إنكار من قبل الواقع. بالقوة نفسها استوحى رسومه الربيعية من فساتين صديقته سيمون عام 1997 التي كانت ترتديها قبل أن تتوفى. كان شفيق عبود وقد تحرر من مرجعياته الفنية يتذكر حياته الأولى كما لو أنه يعيشها من جديد. بالنسبة إلى تجريدي بحجم شفيق عبود سيكون صادما أن نرى 17 لوحة من رسمه في مديح الطبيعة. وهو ما فعله من غير تردد. وهو ما يعني أن الواقع لم يكن غائبا عن عالمه.

رفض عبود دراسة الهندسة المدنية التي بدأها في لبنان ليغادر إلى فرنسا عام 1947 ويستقر هناك إلى لحظة وفاته بعد أن اندمج بمدرسة باريس الفنية وصار واحدا من روادها وهو ما أهله ليكون واحدا من أهم رموزها في النصف الثاني من القرن العشرين


عبود العالمي


ما رأيته في بيروت وحدها يؤكد أن ابن المحيدثة وابن باريس معا كان رساما غزير الإنتاج. لم يكن إلهامه ليحضر إلا من خلال العمل. وهو عمل حرص عبود على أن يكون رفيع المستوى.

لم يرسم قطعة لا تمت إليه بصلة ولا تذكّر به. لا يحتاج المرء إلى الاقتراب من اللوحة من أجل قراءة توقيع رسامها ليعرف أنها تعود لعبود. بصمته واضحة من بعيد.

أبهذا المعيار يمكن أن نقول إن عبود كان واحدا من أهم رموز حداثتنا الفنية؟ إن وافقنا على هذا الوصف فسنخون حقيقة ما شكلته تجربة شفيق عبود بالنسبة إلى الرسم العالمي في مرحلته. كان الرجل رساما عالميا. كما هو الصيني زاووكي. كما هو التشيلي ماتا من قبل. الرجل الذي قدم غريبا إلى باريس صار واحدا من أهم رسامي مدرستها في النصف الثاني من القرن العشرين. فهل سينصفه التاريخ رساما عالميا؟

بالنسبة إلينا فقد كان الرجل رساما عربيا. قدم من بيروت إلى باريس ليعود إليها كلما أتيحت له الفرصة وكان حريصا على أن يرسم في لبنان ما لم يتمكن من رسمه في باريس. لم يكن عبود محاصرا بمحليته لكي يعتز بها هوية، غير أن هويته الشرقية كانت تقدمه في الأوساط الفنية الفرنسية باعتباره فنانا لبنانيا. ما من تناقض بين أن يكون عبود جزءا من مدرسة باريس وبين أن يكون لبنانيا خالصا. رسومه وهي تحتل مكانا بارزا في القاعات والبيوت التي زرتها في بيروت يمكنها أن تجيب على إشكالية من هذا النوع. كان عبود فنانا عالميا.

10