شقاء الاستقامة وشظف العيش

الأحد 2017/10/15

مسكوناً بهوس التقصي عن وقائع واحتمالات جديدة في القاهرة؛ نزلت -كما يُقال- إلى “وسط البلد”. ففي صباح الجمعة، تهدأ حركة المرور في شوارع المدينة القديمة. معظم الناس، يخلد إلى النوم في ساعات الفجر، ولا يفيقون إلا على أصوات المآذن ظهراً.

يتفشى في القاهرة، أكثر فأكثر، صوت الوعظ الديني الذي ينشط الآن بزخم غير مسبوق، في موازاة الغلاء الصادم. الأسعار تلتهب والجنيه يضعف والوعظ ينشط ويلاحق المواطن، حتى عبر الهاتف المحمول.

شركات الشبكات الثلاث العاملة التي استمتعت لسنوات طويلة بأرباح وافرة، بوغتت مؤخرا بظهور “الشبكة الرابعة” التي للدولة ولاسمها منها نصيب. وعندما جاءت عروضها أفضل كثيراً، وعمدت الأخريات إلى تخليص الضرائب الزائدة المقررة عليها، من خبز المواطن وعلى حسابه، اشتعلت أكثر الإعلانات المسموعة عبر الهاتف، وعظا دينياً ودعاء، وبات أكثر الصوت الذي يسمعه المتصل، قبل الرنين استعجالاً أو مع التأني؛ إما مفتتح خطبة أو خاتمتها، أو تضرعاً بصوت الشيخ محمد متولي شعراوي!

ترسل مكبرات الصوت من المحال، أصوات المقرئين القدامى، يتلون القرآن الكريم، إيحاءً بالتقوى وباعتدال الأسعار قدر الإمكان، وتنبعث من محال أخرى أغنيات صاخبة، وتختلط كل الأصوات بضجيج مكابدات الحياة في المدينة، ولا يخلو كل موضع من متفقّه في الدين، يلاحظ أن آي الذكر الحكيم تُتلى في مناخ سمعي وذهني غير مواتٍ وتُدار تسجيلاتها لغير غايات التعبد والتأمل!

المصلون في يوم الجمعة، كعادتهم، يفترشون الطرقات، قبل أن تضيق بهم صحون المساجد. إذ سرعان ما تصبح الأرصفة وأجزاء من الطرقات، مُلحقات موصولة بالمحراب. وهذه تلائم الباعة والعابرين المتعجلين، الراغبين في انفضاض سريع.

ففي نهاية شارع قصر النيل، عند جامع “كيخيا” العثماني المطل على ميدان الأوبرا، أدركتني الجمعة.

كان “كُشك” حارس بنك الإسكندرية خالياً، فآويت إليه وجعلته موضعاً للصلاة. وأثناء الخطبة، فيما حارسون وبائعون يصطفون على مقربة من محال أعمالهم، على بعد نحو مئتي متر من الصف الرصيفي الأخير، خارج المسجد كان أولئك يؤدون الجمعة وقد انعقدت نواياهم على تأدية الصلاة، موصولين بهدير خطيب “كيخيا”.

كانت الخطبة عن غلاء المهور، والترهيب من جمع المال الحرام. فـ”لا يدخل الجنة لحمٌ نَبَتَ من سُحت. فالنار أولى به”. كان المصلي المتعجل على الرصيف مشدوداً بين نارين: شقاء الاستقامة وشظف العيش!

24