شقائق النعمان تضحك من وجوهنا الباهتة

أزهار شقائق النعمان التي أسهب الفن الشرقي والغربي و"المُهجَن" في الماضي والحاضر في تناولها، تُشكل مادة دسمة للتأويل.
الاثنين 2019/05/13
حمرة آنية جدا لكنها جميلة

خلال القرن التاسع عشر عندما رسم الفنان الانطباعي كلود مونيه العديد من اللوحات عن حقول شقائق النعمان، وأهمها تلك التي تظهر فيها زوجته مع ابنه جان، لم يكن يريد، وهو عرّاب الفن الانطباعي، أن يقدّم أفكارا وجودية شائكة كتلك المرتبطة بالحياة والموت، ولا أن يصف أو ينتقد عصره كما فعل الانطباعي من “الفوج الثاني” إدوارد مانيه، فكل ما أراده كلود، أن يقبض على سحر الطبيعة في تحولاتها اللونية وكيفية نحت الضوء الطبيعي وظلال المشاهد بأسرها حدّ تغيير أشكالها.

اليوم، إنْ نظرنا من منظار معاصر، لا بل ما بعد حداثي إلى لوحاته بشكل عام ولوحات “حقل شقائق النعمان” بشكل خاص، التي تظهر فيها تلك الأزهار الشفافة كبقع ضوئية لا يمكن الإمساك بها، نجد أنها من ناحية تكتسب معاني عميقة مرتبطة بحياتنا اليومية الهشة والمارة بلمح البصر وبحقيقة وجودنا الفاني، خاصة وإنْ كنّا نعيش في ضوضاء المدن الأكثر تطورا.

ومن ناحية ثانية، تؤكد لنا هذه اللوحات كيف يتحوّل الفن ليس فقط مع مرور الوقت وتبدّل الأساليب الفنية، بل كيف تتحول قراءتنا له وفقا للتبدلات الجمّة التي طرأت على حياتنا.

تُشكّل أزهار شقائق النعمان التي أسهب الفن الشرقي والغربي و”المُهجَن” في الماضي والحاضر في تناولها، مادة دسمة للتأويل لاسيما من خلال أفكار جان بودريارد وما ترجم إحداها الفنان بانسكي في عمل فني معنون بـ”استمر في الشراء حتى تقع أرضا”.

نقصد بذلك الأفكار المتعلقة بمنطق المجتمع الاستهلاكي وممارساته، لاسيما التي ترى أن هوس التسوق المتعاظم عند الفرد العادي متأت ليس من حاجته للأشياء بقدر حاجته للظهور أمام الآخرين على أنه من شريحة مجتمعية ثرية، لأجل ذلك، ومن بين كل أزهار العالم، يصلح أن تعتبر زهرة شقائق النعمان رمزا مُتهكما بعصرنا الاستهلاكي بامتياز، بعد أن كانت رمزا للفداء كما في لوحات الفنانين الفلسطينيين، وفي عدد من الحضارات الغربية المعاصرة، فعلى سبيل المثال تعتبرها بريطانيا رمزا لتذكر وتفكر ضحاياها الذين سقطوا في الحرب العالمية الأولى.

فهذه الأزهار الوحشية التي تولد وتنمو في فصل “وسطي” ومتقلب ما بين الشتاء والصيف تمتاز بخاصية لافتة جدا، عدا أنها رائعة الجمال، أنها حين تمتد يدنا إليها لكي نحصل عليها بقطفنا إياها من حقولها تذوي وتموت في دقائق.

وفي موتها هذا غرائبية وعبرة لافتة، إذ يلتوي عرقها وتنكمش وترَق في ثوان حتى تكاد أن تتلاشى في العدم، هكذا تغيظنا هذه الزهرة لمجرد وجودها بهيئتها وبنيانها المرتبط عضويّا و”روحيّا” بمكان واحد هو الأرض التي ولدت وتورّدت حمرتها النارية فيها.

كلما مررنا إلى جانبها، تجعلنا نتأمل في حال الأمور التي وصلنا إليها، تستوقفنا وتجعلنا نتصرف عكس ما بتنا نعيشه، فلسفة حياتية معاصرة قوامها الرغبة في استملاك كل شيء يعجبنا، وقد وصل البعض منا إلى حالة تصالح فيها مع فكرة استملاك البشر في صيغة شبه مُبطنة ليست إلاّ نسخة رديئة وجديدة للعبودية.

تستوقفنا شقائق النعمان، نكتفي بالنظر إليها والتمعن بجمال بتيلاتها التي ينفذ من خلال مساماتها ضوء الشمس ملونا بضوء أحمر ما وراءها مباشرة.

في هذا السياق قدّم الباحث الأميركي أندرياس برغر دراسة يقارب فيها ما بين أفكار جان بودريارد والروائي تشك بلاهنيوك في روايته “ناجي”، يكتب في الأطروحة أن الروائي أعلن تأثره بأفكار جان بودريارد القائلة “إننا بتنا في زمن انتصر فيه الدال على المدلول، والنزعة الاستهلاكية على أي نزعة أخرى”.

ويدعم الباحث أفكاره من خلال تعليقه على الرواية، فيذكر كيف أن إحدى الشخصيات الرئيسية استبدلت الأزهار الحقيقية في الحديقة بالأزهار الاصطناعية التي أحضرها من مقبرة مجاورة، ويسرد أيضا أن زوّار المنزل الذين شاهدوا الأزهار لم يلحظوا تورّدها المُزيف.

ويستطرد الباحث أندرياس برغر قائلا “لم تشكل الحديقة بالنسبة للزوار أي جاذبية أو لغز دفعهم إلى زيارتها، وإنهم ولو هموا بزيارتها لن يكترثوا بحقيقة أنها مملوءة بالأزهار الاصطناعية، المهم بالنسبة لهم أنها تشير وتجمّل من ثروة المالك ومكانته الاجتماعية”.

ويعقّب الباحث أيضا أن في ذلك دليلا قاطعا على استهزاء الروائي بالمجتمع الاستهلاكي، وإشارته إلى أن البشر حين يصلون إلى درجة ما من الثراء تنتفي عندهم الرغبة في الحصول على حديقة جميلة لأجل الاستمتاع برؤيتها والتنزه بين عطور أزهارها، ما سيهمهم فقط أنها ستشكل أمام الآخرين رمزا لمكانتهم الاقتصادية الممتازة.

الأزهار في رواية “ناجي” لا تبقى على ما هي عليه، بل تتحوّل تدريجيا إلى أزهار حقيقية، وعندما تلتقي بطلة الرواية بالشخصية الرئيسية، تقطف بضعة أزهار وتقدمها له قائلة “هاك بضعة أزهار، بضعة أزهار حقيقية، ستذوي في ساعات قليلة.. لكنها الآن جميلة”.

في النهاية انتصرت الأزهار “التي تذوي في ساعات قليلة”، كما تنتصر دائما أزهار شقائق النعمان في تمنعها عن تدمير “المعنى” بخروجها من دائرة الفناء المحتوم، إن في حمرتها الآنية جدا تظهير لانتصار المدلول على الدال.

17