شقاوة

الاثنين 2016/09/26

لا تفريط في العقاب التربوي البسيط وتوجيه الأبناء للسلوك الحسن أي العقاب المعلم الذي يخلو من القسوة والعنف حتى لا يترك آثارا نفسية تخلف انحرافات سلوكية في الكبر.

الطفل، ذلك الكائن الجميل الذي لا نملك أمام براءته وشقاوته إلا أن نضحك من القلب، ننسى معه كل شيء فلا سن له احترام وقواعد صارمة، ولا مكانة اجتماعية ولا شيء سوى الضحك الخالص من روح الفؤاد، مواقف كثيرة أبطالها أطفال وضحاياها كبار قد توقعنا فريسة للإحراج والخجل، نلملم معها أنفسنا بصعوبة بالغة ونحن نتحايل على الظروف ونظرات الآخرين تحرقنا.

ردة الفعل الأولى تجاه مواقف الأطفال المحرجة هي وحدها ما يضع إطار حياة مستقبلية للطفل، فإما أن تجعله غير متزن يميل إلى صنع “المقالب” والمواقف المحرجة للآخرين ويتفنن فيها بغية إضحاك البعض تحت مسمى الدعابة وتجعل منه شخصية غير مسؤولة لا تهتم بمشاعر من حولها، وإما أن تؤكد على التواصل الإيجابي بين الأطفال والأهل، فثمة قاعدة هامة في التربية تختفي خلف ردة أفعالنا وانفعالنا الأول تجاه ما يحدث. أمام حوض السباحة وبعد أن أنهت الصغيرة “5 سنوات” تدريبها الأسبوعي، طالبتها الأم بسرعة بتغيير ملابسها معتمدة على نفسها على ألا يستغرق الأمر أكثر من خمس دقائق، في حين أن غرفة تغيير الملابس مكتظة بأعداد الأطفال المتدربين إضافة إلى أمهاتهم، فلم تجد الصغيرة مفرا من خلع ملابسها أمام الجالسين كي لا تتأخر وتتعرض لعقاب والدتها القاسي، الذي نالت أضعافه حين خلعت ملابسها هكذا بلا خجل، ولكن الأم لم ترشدها إلى تصرف بعينه ولم توجهها إلى سلوك دون آخر، فقط السباب والضرب وسط دهشة الصغيرة التي لم تع رد فعل والدتها تجاه تصرفها الذي أرادت به كسب ود الأم.

وهذا المخرج الذي يحكي ذكريات طفولته متذكرا أكثرها شقاوة وإحراجا والتي عرضته لـ”علقة ساخنة” من والده حين كان عمره أربع سنوات وخلع ملابسه أمام شاطئ البحر بالإسكندرية وتبول في المياه وسط دهشة المصطافين وضحكاتهم، ولم يعرف حينها ما الجرم الذي اقترفه حتى يضرب بمثل هذا العنف وهذه القسوة.

في أمسية صيفية زار الرجل صديقه وقضيا وقتا طويلا وفي نهاية الزيارة فتح الطفل باب غرفة النوم لتظهر والدته بملابس النوم، صائحا بضحكة طفولية بريئة “سلم على ماما يا عمو”، وفجر الموقف موجة إحراج ممزوج بغضب وتعنيف الصغير ومعاقبته بالضرب المبرح دون كلام، دون حوار يفهم منه الصغير تأثير ما فعله، دون تواصل، بالتأكيد أن هذا الموقف وضع الزوجة ومن قبلها الزوج في موقف لا يحسدان عليه، ولكنه أظهر قاعدة تربوية هامة أساسها التعليم بالمواقف ووضع الطفل في مواقف مشابهة وتهذيب ردود أفعاله وتقويم سلوكه، والتأكيد على طريقة استقباله للضيوف وكيفية التعامل المهذب معهم وكلمات الترحيب اللطيفة وإظهار الحب والسعادة بوجودهم دون تكلف.

وما بين أفعال الصغار المحرجة والمضحكة في آن واحد وردة فعل الآباء تجاه تلك الأفعال، كان لي حوار مطول مع صديقتي الخبيرة في سلوكيات الأطفال والذي انتهى إلى ضرورة انتباه الآباء للتوازن في مبدأي الثواب والعقاب بعقلانية شديدة لتجنيب الأبناء سلوكيات غير سوية. فلا تفريط في العقاب التربوي البسيط وتوجيه الأبناء للسلوك الحسن أي العقاب المعلم الذي يخلو من القسوة والعنف حتى لا يترك آثارا نفسية تخلف انحرافات سلوكية في الكبر. “فالعصا لا تصنع الرجال، ولكنها حتما تخلق الحمقى”.

وكذلك عدم الإفراط في التدليل الزائد حتى لا يفسد شخصية الصغير تحت مسمى الحب والحنان، فالقسوة كالتدليل المبالغ فيه كلاهما سواء ويحملان نفس الدرجة من الخطورة ويشكلان الخطر ذاته على الشخصية وانحرافاتها السلوكية، كما أن التواصل بين الآباء والأبناء ومد جسور الثقة والحوار ضرورة لا بد منها، أيضا التشجيع الدائم للصغار وبث الطمأنينة في نفوسهم لإبداء آرائهم بأريحية وأمان والحرص على الإنصات لهم والاهتمام بآرائهم وتحفيزهم بالإثابة على الصواب، مع أهمية المحافظة على حقهم في معرفة أسباب العقاب في حينه وعدم معاقبتهم على تصرف اعترفوا به من تلقاء أنفسهم حتى لا يفقدوا الثقة في الكبار ويخفون من الأسرار ما قد يضر بمستقبلهم وينطوي على كارثة، ويجب أن يحظى سلوك الصغار بقدر من التقبل والتسامح والكثير من الحب والاحتواء.

كاتبة من مصر

21