شقيق الماء

الثلاثاء 2014/01/14

يطيب لي أن أسميه فاتحة الصباح، شقيق الماء، حليف الفقراء، ورفيق الندماء والسهارى. وتصِحّ تسميته بالنبتة السحرية، والمشروب البسيط العبقري منخفض التكلفة، وسهل التحضير.

أسرد هذا الثناء ولا أملك تجاهل السؤال “المصيري” التالي: كيف يمكن أن تكون صورة الحياة بلا كوب شاي؟.

تصعب الإجابة على السؤال. بالإمكان المغامرة والتعميم بأن أحدا، بمن في ذلك الجنود والسجناء، لم يجرب بعد الحياة دون تناول الشاي. ربما ثمة أفراد هنا وهناك، يخالفون الطبع البشري ولا يتذوقون هذا الشراب الساحر، ومن الصعب الاعتداد بأعدادهم مقارنة بالعدد الهائل والكاسح لمن يتناولون الشاي يوميا وبانتظام، كأحد أكثر العادات انتظاما وثباتا.

وهبت الصين هذا المشروب للبشرية قبل نحو خمسة آلاف سنة ومعه هذه الحكمة: أن تُحرم من الطعام لثلاثة أيام أهون من أن تُحرم من الشاي ليوم واحد، ثم برعت الهند وسيرلانكا في إنتاجه. وبرع الإنكليز في تصنيعه وتصديره عبر شركة الهند الشرقية، وكان رفع رسوم الشاي المصدر إلى أميركا قبل نحو 400 عام، أن أجج الثورة الأميركية ضد المستعمر البريطاني.

وتدور الأيام فإذا حركة يمينية شعبوية في أميركا تحمل اسم الشاي، وانضم إليها في السنوات الأخيرة جمهوريون ومحافظون، وتناهض الحركة الإسلام والمسلمين!. رغم أن الشاي مرتبط بالصين وآسيا وليس بمسلمين. نعشق هذا المشروب أسوة بشعوب العالم ومنهم اليابانيون والإنكليز.

الأشد فقرا في بلادنا يعتمدون على غمس الخبز في الشاي لرد غائلة الجوع. ولمن يشتد عليهم البرد لا يجدون أفضل من عبق الشاي وشرابه الساخن مصدرا للدفء. وفوق ذلك نجح في جمع الأغنياء والفقراء على التعلق به، حتى بات مشروبا عابرا للطبقات والقارات.

حضور الشاي ضئيل في المأثور الثقافي العربي، ولولا أن الأفلام والمسلسلات المصرية قامت بالواجب (أؤوم أعمل لك كبّاية شاي؟) للحِق بهذا المشروب إنكار ثقافي شنيع. شعراؤنا يشربون الشاي بكثرة ويتغنّون بالنبيذ!. هنيئا لهم.

لكن الشاي يشُق طريقه ولا يبالي. فتنته في ذاته، إنه كالورد، أو الخبز أو الماء..لا حاجة به إلى من يمتدحه، أو يعترف به.

24