شكرا أردوغان!

لا يأخذكم الظن السوء بنا حين نقول: شكرا أردوغان، شكرا تركيا، فلولا استخفافكم بنا لما عرفنا وبشكل جلي وواضح مدى استغفالنا كشعب من قبل سلطة تعمل لبقائها ولا تعتني بشعبها وتاريخ وطنها.
الأحد 2018/06/10
هذا العراق اليوم

على الرغم من قسوة العنوان إلا أننا نحتاج بين فترة وأخرى من يستغل ضعف إرادتنا والفوضى العارمة التي تحيق بِنَا ليكشف عورات أصحاب القرار في العراق.

نحن نعلم تماما أن الحكومات التي جاء بعد احتلال العراق منذ عام 2003 لا تتحمل وحدها ملف المياه، وإنما تتحمل حكومة حزب البعث منذ عام 1968 إلى عام 2003 مسؤولية السياسات المائية الخاطئة حيث عجزت تلك الحكومة في زمني البكر وصدام حسين على أن تبني خزانات مياه كبيرة على غرار الخزانات التي قامت بها تركيا منذ عام 1965 وإلى حد الآن.

فِي هذا المجال استحضر من ذاكرتي إحدى التغطيات الصحافية لمؤتمر المياه الذي عقد في العاصمة التركية أنقرة عام 1994 حين تحدث الرئيس التركي وقتذاك سليمان داميريل حول أزمة المياه وقال إنه كان وزيرا للسدود في بلاده عام 1969 وذهب إلى العراق حاملا مشروعا مهما للعراقيين للحفاظ على الثروة المائية.

خلاصة المشروع كانت أن تقوم تركيا ببناء عشرين سدّا ضخما وخزانات مياه كبيرة في العراق مع مرفقات تتضمن مدنا سياحية ومصادر لتوليد الطاقة ومزارع ومدن ألعاب. عرض على الحكومة العراقية أن تقوم تركيا ببنائها وفق عقد استثماري ومساطحة أراض لمدة عشرين عاما وبعد ذلك تسلمها للعراقيين. لكن نائب الرئيس العراقي وقتذاك صدام حسين رفض المشروع بذريعة أنه لا يتناسب مع السيادة العراقية.

هذا التفكير السطحي لم يكن يتناسب مع مقتضيات المستقبل التنموي الذي وصل إليه الأتراك ولم يفكر به العراقيون بفعل ضعف الأفق السياسي الذي يقوده التوحُّد وعدم القدرة على تنفيذ مشاريع مشتركة بين العراق وواقعه الإقليمي.

نحن نؤمن بأن عجلة التقصير بدأت بالدوران منذ أيّام حكم حزب البعث للعراق. بيد أن استمرار هذه العجلة بالدوران والعودة إلى الوراء يجعلنا أيضا نحمّل المسؤولية لمن جاء بعدهم لأنهم لم يتقدموا في هذا الملف ولا خطوة واحدة بل تراجعوا خطوات.

كان التباحث بين العراق وتركيا وعلى مدى عشرات السنين حول مياه الفرات لأن نهر دجلة الذي كان يسمى عند العراقيين القدامى بالنهر المجنون لكثرة جريانه، لم يكن قد دخل المباحثات حول حصص المياه.

لكن التراجع الكبير الذي حصل بعد عام 2003 ودخول دجلة في أزمة المياه يعد فعلا تراجعا عراقيا كبيرا ووصمة عار على حكومات ما بعد صدام حسين، تلك الحكومات التي لم تعتن بالتنمية وإنما ألهتها صراعاتها على المناصب والثأر ومحاولات الإقصاء والتهميش عن السير قدما بخطط تنمية جادة للعراق.

وربما يقول امرؤ إن الأزمات لم تسعف حكومات الإسلام السياسي بعد 2003 لإنجاز خطط تنموية جادة، إلا أن تلك الحكومات التي قادها حزب الدعوة هي التي استسلمت لحبائل الأزمات ولَم تكن تفكر أبعد من أنف السلطة ومحاولات التجذر والتشبث بها بعيدا عن المنجزات التاريخية التي يجب أن تسندها خطط تنمية شاملة ومن أهمها إقامة السدود والخزانات الكبيرة لاستيعاب خيرات المياه التي تسرف من على الأرض العراقية وتهدر في المياه المالحة في الخليج العربي. فضلا عن عدم قدرة أصحاب القرار على التصرف بمسؤولية القادة في الأزمة الأخيرة ليلقى اللوم بعد ذلك على الإعلام كونه تعامل مع الأزمة بمسؤولية تاريخية وحذرة.

كنّا ننتظر قرارا بتحويل ملف المياه إلى سلطة عليا بما يتناسب مع حساسية الملف، إلا أن التوافقية بين أحزاب السلطة وتقاسم المغانم للوزارات الموزعة بتقسيم طائفي هي التي تحول دون ذلك.

الأتراك كانوا واضحين في حديثهم عن الأزمة وبيّنوا للرأي العام أنهم ألغوا الحكومة العراقية منذ أول يوم بالشروع في بناء سد على مياه دجلة من الجانب التركي، بل طلبوا من العراقيين العمل بشكل مشترك لتجاوز أي أزمة من الممكن أن يسببها بناء سد اليسو للعراق مستقبلا، كان ذلك في أيّام رئاسة نوري المالكي لمجلس الوزراء عام 2008، لنكتشف أن العراقيين هم الذين لم يحسنوا التصرف، حتى إذا جاءت اللحظة الحاسمة التي حذّر منها الأتراك تجد أن الحكومة العراقية تهاونت وتعاملت مع الأزمة باستخفاف وضيّعت حقوق العراق المائية.

إنها أزمة الاستبداد التي كان يمثلها الحكم الشمولي للعراق واستكمل فصولها الإسلام السياسي في ديمقراطية التوافق التي أتت بكل نطيحة ومتردية لاستلام زمام الشعب.

لا يأخذكم الظن السوء بنا حين نقول: شكرا أردوغان، شكرا تركيا، فلولا استخفافكم بنا لما عرفنا وبشكل جلي وواضح مدى استغفالنا كشعب من قبل سلطة تعمل لبقائها ولا تعتني بشعبها وتاريخ وطنها.

5