شكرا جزيلا

لأول مرة في تاريخ أي أمة، تصبح الهزيمة نكبة، والفضيحة نكسة، والخيبة وكسة، أما التخلف والتراجع فليس هناك من أب شرعي لأي منهما.
الأربعاء 2018/05/02
اتركوا القدس لمولاها

ارفعوا أقلامكم عنها قليلا../واملأوا أفواهكم صمتا طويلا/لا تجيبوا دعوة القدس.. ولو بالهمس/كي لا تسلبوا أطفالها الموتَ النبيلا/دونكم هذه الفضائيات فاستوفوا بها (غادر أو عاد)/وبوسوا بعضكم.. وارتشفوا قالا وقيلا/ثم عودوا../واتركوا القدس لمولاها../فما أعظم بلواها /إذا فرت من الباغي.. لكي تلقى الوكيلا!

بهذا تحدث شاعر عربي آثر الصمت الصارخ، وكان على جيلنا الذي عايش كل سنوات الهزيمة أن “يتنحنحَ” قليلا، قبل أن يدخل استديو الهزيمة بأحلى صورة، مردِّداً وراء مطربي الفيديو كليب (عربي أنا)، بينما في الزاوية، تتمايل أجساد ناحلة، وأضواء، وصرخات وأحضان وقبلات تحكي خيبة انتصارنا الوحيد. أما في الخلف فتبرز صورة سوداء ليس فيها سوى مشهد يتكرر.. حتى أصابنا التبلد. إنه القتل.. والدم، والحديد والنار!

يقولون: إن الشيطان يسكن في التفاصيل الصغيرة، أما الأعماق، فلا يعلمها إلا الله.

وعلى طريقة صلوا الأرحام بـMessage والتي ازدهرت عبر الجوّال، فاجأني ابني برسالة جوّالية: بابا.. منذ متى لم تستمع لأم كلثوم؟ رددت: وهل روبي أبقت شيئا؟ فأرسل إلي: بالصفر وحده أنت غالي عليّ.

حككت عرق “الخيابة” الذي انتفض في الجانب الأيسر من رقبتي ولاحظته غير ذات مرة، لأبحث عن حكاية الصفر تلك، وتساءلت: مالهم شباب هذا العصر، يستعرضون ثقافتهم علينا نحن عواجيز الفرح، الذين تربوا على ما يُقال لهم وينفخ فيهم من هرمونات السبعة آلاف سنة، و”فياغرا” ما كان دون أن نعرف ـحتى اللحظةـ ما سيكون، و”سياليس” الحضارة العريقة، وجرجير الست “سنية” بائعة الخضار التي كانت تغري النسوة بشرائه دون أن نفهم نحن الصغار المغزى الحقيقي لحكمة حشد التأييد لفكرة زرع الجرجير تحت السرير كمشروع قومي.. لأكتشف بعد كل هذه السنوات، أننا فاشلون جداً في الحب، كما نحن فاشلون في الحرب.

مشروع قومي إذاً..

هذا كل ما نحتاج إليه، وكأن كل مشاريعنا القومية منذ ما يعرف باسم النكبة عام 48 وحتى “الوكسة” التي نحياها حالياً، مروراً بكل النكسات المشهورة، لم تكن سوى فرقعات في الهواء، وليذهب الحلم العربي إلى الجحيم، فما أبرعنا نحن العرب، في تحويل المسميات وتحويرها، والبحث لها عن “محلل” أو “مسيار” ولأول مرة في تاريخ أي أمة، تصبح الهزيمة نكبة، والفضيحة نكسة، والخيبة وكسة، أما التخلف والتراجع فليس هناك من أب شرعي لأي منهما.

هل هناك من قول آخر..

كلا.. كفى.. شكرًا جزيلاً..

كانت تلك باقي القصيدة.

24