شكرا جماعة الإخوان

الأحد 2015/07/05

إن حوادث الإرهاب التي ضربت مصر مجددا في ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو أعادت -دون قصد المعتدين- التلاحم العربي والدولي مع الحكومة المصرية في حربها ضد الإرهابيين.

وكانت رسالة العاهل السعودي، الملك سلمان، إلى الرئيس المصري، تضمنت عبارات حاسمة تؤكد دعم المملكة الكامل لمصر في مواجهة الإرهاب، والأهم من ذلك الامتنان لدور القوات المسلحة في إنقاذ مصر من براثن الحكم الإخواني البائد.

إن الرسالة السعودية إلى مصر، تزامنت مع قيام الملك سلمان، بإيقاف برنامج تلفزيوني وتحويل مقدّمه وضيفه إلى المحاكمة بتهمة الإساءة إلى الملك عبدالله، وتلك دلالة أخرى على أن عهود الملوك السعوديين متصلة يكمل بعضها بعضا خصوصا في المجال السياسي، أي أن سلمان يؤكد نهج عبدالله في محاربة الإرهاب الإسلاموي والتطرف الديني، ومن أهم صوره، جماعة الإخوان المسلمين، التي حاول رموزها خليجيا وعربيا تأجيج الفتنة بين السعودية ومصر، وبين عهد الملك عبدالله وعهد الملك سلمان.

قبل حوادث الإرهاب المصرية، صرح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بأنه لا مانع من قبول الإخوان إذا أرادوا العيش بسلام، لكن الإخوان ردوا عمليا بأنهم لا يريدون سلاما، فإما التسلط أو الفوضى والدم.

منذ ثورة الثلاثين من يونيو المباركة، المكمّلة لثورة يناير المجيدة، والإخوان يقدّمون كل يوم سببا تلو آخر يشرع محاربتهم وعزلهم ونبذهم، والأهم هو ظهور الوجه الحقيقي لخطابهم البشع الذي كانوا يغطونه بقناع التقية الديمقراطية.

سلمان يؤكد نهج عبدالله في محاربة الإرهاب الإسلاموي والتطرف الديني، ومن أهم صوره، جماعة الإخوان المسلمين، التي حاول رموزها خليجيا وعربيا تأجيج الفتنة بين السعودية ومصر، وبين عهد الملك عبدالله وعهد الملك سلمان

بدأت الفضائح الإخوانية تتكشف، منذ روّجوا “تهم” باطلة وكاذبة، بأن الرئيس المؤقت عدلي “محمود” منصور قبطي، وأن وزير الدفاع (السيسي) والسياسي عمرو موسى من أمّين يهوديتين، كما أن رئيس الحكومة الانتقالية حازم الببلاوي شيوعي، ونائب رئيس الجمهورية حينها د. محمد البرادعي شيعي، وفوق هذا كله أبدوا استياءهم من تحسن وضع الأقباط بعد الثورة.

المآخذ الإخوانية اعلان صريح من الجماعة بأنها ضد قيمة المواطنة، وأن موقفها من الآخر المسلم وغير المسلم هو التكفير والإلغاء، وهذا يتناقض مع خطابها الذي روّجته خلال حكمها وقبيل ثورة يناير. والأسوأ من ذلك أنها لا تتورع عن الكذب وإهدار الدم لمغالبة الخصوم.

وفي مصادفة مريبة، تزامن سقوط الحكم الإخواني مع اندلاع أعمال العنف والإرهاب في طول مصر وعرضها، والقيادي الإخواني محمد البلتاجي صرح بأن سيناء لن تهدأ ما لم يعد الرئيس محمد مرسي إلى سدة الحكم، علما بأن نار الإرهاب خلال حكمهم كانت ضعيفة الجذوة باستثناء ما يصبّ لمصلحة الإخوان، كحادثة سيناء التي اتخذها الرئيس محمد مرسي ذريعة لإقالة وزير الدفاع (المشير محمد طنطاوي) ومجلسه العسكري.

كنت أعتقد واهما بأن جماعة الإخوان بريئة من فكر الإرهاب واتكأت في ذلك، على انشقاق العناصر المتطرفة عن الجماعة وانضمامها أو تأسيسها لجماعات أخرى متطرفة ومسلحة، كالجهاديين والتكفيريين والقاعدة، أمثال أيمن الظواهري وشكري مصطفى، لكن ثورة يونيو وما تلاها، أثبتت أولا أن فكر الإخوان وممارساتهم مماثل لفكر بقية جماعات الإرهاب وسلوكياتها، وأثبتت ثانيا أن جماعة الإخوان هي الحاضن الأم لفصائل الإرهاب، وأن التنسيق بينهم دائم ومستمر.

من جهة أخرى، أكد رفض الإخوان لثورة الثلاثين من يونيو، كذب دعوى إيمانهم بالديمقراطية، فالانتخابات ليست بيعة أبدية، والشعب الذي اختار مرسي رئيسا من حقه أن يعزله، لكن مرسي وجماعته رفضوا الانتخابات المبكرة، فكان تلاحم الجيش والشعب لرفض الأمر الواقع وتغييره.

أبدى الإخوان أيضا، امتعاضهم من دعم الرموز الفنية للسيسي، وأبدوا أيضا إدانتهم لأيّ مكاسب تسير نحو تمكين المرأة، وهذا يدلل مجددا على موقفهم السلبي من التحضر ومن حقوق المرأة بعد أن كانوا يظهرون العكس سابقا.

سبح الإخوان في الوهم، وظنوا أن نقد السيسي أو انتقاده دعوة لعودتهم إلى الحكم، وهذا غير صحيح، ﻷن الشعب المصري الذي يختلف مع السيسي أحيانا، يتفق معه مطلقا في محاربة الإخوان والإرهاب، بل إن الأصوات الشعبية المرصودة إعلاميا وإلكترونيا تجزم بتفضيل نار السيسي على جنّة الإخوان.

قبل حوادث الإرهاب المصرية، صرح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بأنه لا مانع من قبول الإخوان إذا أرادوا العيش بسلام، لكن الإخوان ردوا عمليا بأنهم لا يريدون سلاما، فإما التسلط أو الفوضى والدم

إن المآخذ على حكم الرئيس السيسي لم تتغير، فتجاهله للإصلاح السياسي كدرة التاج في مشروع الإصلاح الشامل، وتصادمه مع القوى الشبابية، وعدم ثقته بالمدنيين واعتماده على العسكر والحرس القديم في الدولة العميقة، وغياب الرؤية التخطيطية لحاضر مصر ومستقبلها، وتخبطه في السياسة الخارجية، ومنطقه الأمني الجامد والكلاسيكي، كلها عوامل تضعف مصر في حربها ضد الإخوان والإرهاب، والتصريح عن هذه المآخذ لمصلحة مصر لا لمصلحة الإرهابيين.

ومن أجل مصر أيضا، وجب التحذير من مغبّة الانزلاق إلى الهاوية المكارثية، والخطورة هنا مكمنها تحويل المعارضة السياسية إلى انشقاق سياسي، فيتحول النظام إلى سلطة بلا سند وطني، وتصبح الحرب على الإرهاب صراعا سياسيا بين حزبين، أحدهم يمارس الاستبداد الزمني والآخر يمارس الاستبداد الديني، فتتهاوى قيمة الدولة ويتلاشى معنى الوطن، كما أن الفجور في الخصومة من استهداف الإرهابيين إلى استهداف غيرهم باب للظلم الذي يهدم الاستقرار ويعيق التنمية ويقوّض العدالة والحق.

إن الدولة المصرية، أيا كان رئيسها، تستحق كل الدعم في حربها ضد الإرهاب المتمثل في جماعة الإخوان وداعش والقاعدة وغيرها، وعلى الرئيس الذي حظي بالتفاف شعبي وعربي غير مسبوق، أن يرتقي إلى أعلى مستويات المسؤولية والطموح، فالحرب على الإرهاب ليست أمنية فحسب، بل سياسية وفكرية وثقافية واقتصادية أيضا. وما رأيناه في مصر خلال عام مضى قريب من التشاؤم أكثر من التفاؤل.

إن توجيه الشكر لجماعة الإخوان واجب ومستحق، فسياساتها وجرائمها بعد ثورة الثلاثين من يونيو أسقطت أقنعتها المزيفة، وأكدت صواب ثورة الشعب المصري على حكمهم ووجودهم، وطمأنت النخب إلى صحة خيارها في مواجهتهم ونبذهم، وحسمت الصورة السوداء التي كانت تتربص بالمصريين والعرب لو استمروا في الحكم، تخيلوا أن هؤلاء كانوا على رأس السلطة. تحيا مصر.

صحافي سعودي

6