شكرا قطر: سجن الشعراء أهون من قتلهم

الخميس 2014/02/13

استطاعت دولة قطر أن تسطر ملاحم عظيمة في مساعدة العالم غير المتحضر والدول التي لا تعرف أسس الديمقراطية ولا فنونها والمجتمعات التي تفتقد لمعرفة ألف باء العدالة والحرية والسعي نحو التغيير والنهضة والإصلاح.

قدمت قطر نماذج رائعة من الخبراء والمنظرين والمفكرين والمحللين ممن لا تفوتهم شاردة ولا واردة في شرق الأرض أو غربها، إلى درجة بدت معها تحليلات علماء السياسة القدامى والمعاصرين بلا عمق سياسي ولا فهم لمعاني ودقائق وتفاصيل الديمقراطية أو لصناعة مجتمعات تتمتع بسبل المشاركة السياسية.

في قطر يترسخ علم جديد لم يتفطن له دهاة السياسة ومتربصو مدرجات كليات أكسفورد وكامبردج.

يقوم سدنة الحرم العلمي القطري بتسطير روائع من المحاضرات العلنية على شاشات الجزيرة، وفي أقبية الفنادق المترفة، عن لوائح الثورات وكيفية قيادة الشعوب للتحرر من نير العسكر والدخول في عباءة الديمقراطية الإخوانية الأصولية القطبية.

وبين دروب الدوحة الفوضوية يقع تاجر دين سعودي بين ركبتي تاجر دين مصري متفيقها على تعليماته حول تفعيل الثورة الشعبية السعودية المقبلة. وفي خلفية المشهد يتسلم بائع دين ليبي شيكا دسما من سكرتير الشيخ لتطوير آليات تحريك أدوات الديمقراطية وصنع نظام ديمقراطي إخواني في بنغازي.

علم يتحدر من جبال الدوحة على شكل سيل منهمر في أودية عربية عطشى، فينهل الجميع من نهر الديمقراطية القطرية وتتنفس خلايا الأمة هواء النهضة المنعش، ويضج القوم بين مادح ومبتهج، وعيون تدمع إن الحمد لقطر، فقد رسمت لنا طريقا نحو الشمس. وينضم الجميع في حفلة رقص صوفية، يدورون حول النار القطرية معلنين الولاء برمي الكوفيات في نار حارقة لا ينبغي لها أن تنطفئ.

وعلى بعد كيلومترات من حفلة الجنون الإخوانية يقبع شاعر أحسن نظم القوافي، وتلمس بكلماته الأيدي البدوية المتعبة، شاعر رأسماله سيارته المغبرة برمال الخليج، تنتظره خارج أسوار السجن، وفي محركها، لوعة وحسرة على بقاء صديقها البدوي بين تلك الأسوار من أجل كلمات قالها ليست كالكلمات التي يرددها أصحاب حفلات الجنون.

يعتمد الشاعر الحزين على ما تبقى من جهد لديه، فيعتلي سريره ليطل من النافذة الصغيرة في زنزانته الضيقة، ويسمع أصوات المحتفلين خارج سجنه، يتبادلون أنخاب الثورات والربيع الذي توقعوا أن تتم خضرته، فانقلبت إلى عتمة أقرب إلى عتمات الكهوف، أحالت ربيع الدوحة هباء منثورا.

ورغم كل ما يحدث إلا أن الحفلات ما برحت مستمرة، وقرقعة الكؤوس التي تتكسر بعد ترنح أصحابها تثير الشجن في الشاعر.

وبعد ليل تخلله صوت موج البحر وطيف امرئ قيس يحوم على جدران السجن مرددا مع الشاعر بأن ينجلي الليل بصبح وما الإصباح منك بأمثل. يسود الصمت ليل قطر ويبقى السجين يغزل من أشعة القمر المتسللة بين القضبان خيوط همومه وآماله بأن تعود له قطره.

نظر الشاعر إلى بيوت الدوحة وبثها همه، فبسبب قصيدة رُمِيَ به في السجن. وهل للشاعر قدرة على احتمال كل هذا العذاب والهوان.

تذكر الشاعر ما سمعه وغيره من أن بلاده كعبة المضيوم، وافترت ثغره عن ابتسامة المتهكم، نعم هي كعبة المضيوم لكن الإخواني فقط، فالقادم من بلاد بعيدة يحتضن في دوحة الأمير، ويزج بالمواطن خلف الزنزانة دون رحمة.

تصور الشاعر المضيوم أنه إذا بكى وهو ابن قطر ستنصرف إليه بشق، وشقها لغيره لم يحول.

هل تتدلل الأم على ابنها فتصرمه، دون أن تجّمل، وتعدّه من سوء الخلق وهو من لا مهنة لديه سوى هز أركان الخيام بقوافيه، والتفاني في إثارة شغف قومه ممن تهزهم كلمة الشاعر وتحلق بهم إلى سؤدد الأفق.

هل غر بلاده أن حبها رمى به في السجن المعتم، هل صدق جده الذي قال له إن ما للمرء خير في حياة إذا عد من سقط المتاع.

ما الذي دفع به إلى السجن، هل قالها دون مواربة وبكل شجاعة كما قالها جده، لكنه هذه المرة طار شعاعا إلى داخل زنزانة.

توقف الشاعر عن اللهو بالقمر، ونظر بجدية إلى أمره، وردد مع الشاعر الذي سبقه إلى السجن والإعدام طرفة بن العبد، أسلمني قومي ولم يغضبوا، ثم قفز غاضبا وهو يردد كلهم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة.

لماذا يبقى شاعر في سجن من أجل قصيدة وسجانه يعزف قيثارة الحريات في كل مسرح أممي.

وهل بقي للشاعر من أمل وهو يرى، من مصيره طوفانا من عبث الكلمات يفيض بـادعاءات عن “حرية التعبير”. هل يقبل الشاعر أو أهله أن يخرج صبية الحاكم ليلقنوا الكويتيين درسا في الحريات، بينما مواطنهم تعب من رسم الأيام خطوطا سوداء على حيطان سجنه.

قتلت قصيدة المتنبي، ومن قبله دعبل الخزاعي ولم تنفع الأعشى الهمداني بخبخته فصلب، ولم ترحم غيرة المأمون الشاعر علي بن جبلة العكوك فقتله على مدحه غيره، مستعينا بتفسير رجال الدين لقصيدة أنت الذي تنزل الأيام منزلها وتنقل الدهر من حال إلى حال.

لقد رحم الحاكم شاعر قطر ابن الذيب من خاتمة غيره ممن سبقه وآخرهم وضاح اليمن الذي وضع في صندوق وأقفل عليه حتى مات وهو يردد شعره داخله.

وما رحمة الحاكم لابن الذيب، واستبداله الحكم من الإعدام السريع إلى الإعدام البطيء على مدى أحد عشر عاما، لكرم ديمقراطي نهضوي يستحق عليه الشكر.

قد يعتب البعض على ثنائنا على القرار الرحيم للأمير، وفيم العتب أليست الحقيقة أن الشعراء كانوا يصلبون، وتقطع أطرافهم، وتجذب ألسنتهم لأقصى مطاطيتها، ثم تقطع. وكانوا يصندقون ويرمى بهم في الجب، ثم تردم، بل إن بعضهم كان يبنى عليه في جدار إلى أن يتحلل جسده مع طين الذكريات.

إنه، والله، لتطور كبير وصلنا إليه نحن العرب، فقد اجتزنا ألف عام من الإجرام المتوحش بحق الشعراء، ووصلنا بعد كل هذه الندوات وبمساعدة المفكر الكنيستي الكبير ومفتي القدر الناتوي، وكل أولئك الجهابذة من علماء حقوق الإنسان، ومنظري العدالة الإلهية والإنسانية غربيةً وشرقيةً.

بعد تلك المؤتمرات والندوات التي أفادت منها شركات الفنادق، بعد تلك البرامج على الجزيرة بكل شفراتها المختلفة، والتي تبحلق في شاشاتها عيون سملت عيون أجدادها، إنها لعمري، كلمات قيلت وأحلام صيغت وقصائد حب لم تفض حتى إلى قُبلة، بل إلى نحرٍ على القِبلة.

تطور وتقدم وتحضر استطعنا كعرب وبفضل قطر العظمى أن نخفف من إجرامنا، فلم نعد نقتل الشاعر، بل نكتفي بسجنه ومن ثم نصنع منه رساما على جدران الزنازين الرطبة.

شكراً قطر.

9