شكري الذي لا يغيب

الأربعاء 2014/09/10

تزورني في صيف كل سنة أطياف “محمد شكري”، ربما لأن قراءاتي له تزامنت مع أشهر ارتفاع الحرارة والذهاب إلى البحر، أو لأني أزور كثيرا، في مثل هذه الأيام، مدينته طنجة… هكذا، أستعيد اليوم، تفاصيل آخر لقاء جمعني به في مطعم “الريتز” بطنجة؛ قدمت رفقة بعض الأصدقاء لتناول وجبة عشاء، وكان صاحب “الخبز الحافي” رفقة الروائي بهاءالدين الطود، يعيش بصفاء طفولي نشوة إطلاق اسمه على جناح بمكتبة الأمير بندر بأصيلة؛ تحدث يومها مليا عن موجة الترييف الزاحف على “عروس البوغاز”، والجفاف المستشري الذي طال الأجساد والأبنية والضفاف على حدّ السواء، لم تعد “طنجة” كما كانت، ولا الناس كما كانوا… استمرّ في هجائيته طويلا لأحوال الزمن الرديء، بالتدفق والعنفوان المعهودين في الذات الفطرية المستوطنة لدواخله. اكتفيت بالاستماع، لم أكن أريد إفساد استرساله، ولا أن أتحوّل إلى هدف لإحدى غاراته المباغتة. كنا كما لو في مشهد من محكياته: شخصيات ورقية تلتقط توترات الصوت النابع من قعر المدينة.

حين أعاود، الآن، التفكير في حضور محمد شكري، وفي حديثه، وفي تفاصيل ولعه بالأمكنة والناس واللذائذ الصغيرة، عندما أسترجع حدبه الشديد على ذات الكاتب الذي كانه، وفتنته بعوالمه الواقعية والمتخيلة، أتفهم إخفاقه في مصالحة ذاته الأخرى، الطافية على السطح، وصراعه الدائم معها. كان جسده معبرا للتجارب، محكّا لسبر تحولات الطبع، لحاء لا يقتضي العناية. وبقدر تراكم الندوب على الجسد المهدود، لم يتوقف نهم “اليانع” بالحياة. يخيّل لمن يعرفه أن إحساسه بالزمن قد توقف عند ذروة الفتوة، فلم ينشغل يوما بمقايسة الآتي بحجم المنقضي من العمر. ظل المستقبل لديه هادرا دون حدّ، تلك عبقريته في عدم إفساد الحاضر المرئي بالقادم الثاوي في بطن الغيب.

هكذا كتب “محمد شكري” بنفس من تراوده نزعة غواية العالم. سكنته دوما صورة الكاتب الكبير الذي يزلزل القناعات، ويرتاد آفاقا جديدة لم تخطر على بال أحد. من ثمّ كانت فرادته في اصطناع عدة تعبيرية خارج دائرة المألوف، بمختلف عناصرها من لغة وشخوص وفضاءات وقيم وذاكرة معيشية وجمالية. كما كانت وحدانيته في العيش دوما “على الحافة”، ثم الابتعاد بمسافة عن كل شيء، واحتضان المتناقضات بشتى صورها: من فقر وغنى وشهرة وخمول، وشغب ووداعة…

ولا جرم بعد ذلك أن يعيش بدون مطامح شخصية، كتلك التي تراود العديد ممن لم يمتلكوا جزءا يسيرا من موهبته، وبديهي أن يضحى عدوا لدودا لصيغ الوجاهة الزائفة ولعوالم السلطة والنفوذ بمختلف ألوانها، كان شأن من ارتبط بهم من وجوه روائية: “بول بولز”، “تنيسي ويليامز”، “جون جونيه”…، لا يحتفي كثيرا بتصدر حلقات المثقفين، وظل وفيا لدائرة الهامش وللوجود خارج المعايير الاجتماعية، وهي السمة التي تحولت تدريجيا إلى عنف ظاهر يداري هشاشة الوجدان الموجوع بعزلته القاتلة.


كاتب من المغرب

15