شكري الريان: الرواية تحكي ما لم يقله التاريخ

في عمله الروائي الأول “حكاية الخوف” الصادر منذ أيام عن “دار كتابوك”، يكتب الروائي السوري شكري الريان، عن الخوف والرعب السوريّ اليوميّ والواقع الأسود. وعن دهاليز الأمن الجنائي والتحقيق، وعن علاقات الاستغلال والسرقة والنهب التي سادت هناك، وعن الوقائع اليومية المحكية بطريقة السرد الوثائقي وشهادة حقيقية كتبها ضابط سوري متقاعد. ويصور سوريا والنظام الذي يكتم أنفاسها ببراعة وصدق. “العرب” التقت الكاتب وكان لنا معه هذا الحوار حول الكتابة والواقع السوري.
الثلاثاء 2016/01/26
استعدت صوتي بثمن باهظ جدا

يقدم شكري الريان روايته “حكاية خوف”، والتي تأتي في سياق مشروعه الروائي، الذي يسرد فيه ثلاث حكايات هي “حكاية خوف” و“حكاية ثورة” و“حكاية قتل”، ناقلا من خلال هذه الحكايات صورا من واقع الجحيم السوري منذ خمس سنوات، بالقول: النص ثلاث حكايات؛ الأولى “حكاية خوف” صدرت عن دار “كتابوك” حديثا. والثانية “حكاية ثورة” وهي في طور الصياغة النهائية وآمل أن أتمكن من إصدارها قريبا. أما الثالثة “حكاية قتل” وكنت قد باشرت كتابتها، أنجزت فصلين وتوقفت، بسبب دخولي في رحلة اللجوء الطويلة والمضنية، وآمل أن أتمكن قريبا من التفرغ لإتمامها.

المعجزة الكبيرة

بدأ شكري الريان العمل على مشروعه الروائي في صيف 2012، وكان لا يزال في سوريا. كان في ذلك الوقت، ككثيرين غيره، حبيس المنزل تقريبا، لا خروج ولا حركة ولا احتكاك يوميا مع الناس، إلا للعمل ولقضاء أمور ضرورية فقط، وضمن محيط كان قد بدأ يضيق تدريجيا بسبب المغادرة والتواري والاعتقال لعدد كبير من الأشخاص الذين كانوا يشكلون المحيط الطبيعي لحركة الناس.

يقول ضيفنا: الثورة عند انطلاقتها في مارس 2011، صاحبتها حيوية هائلة تجلت من خلال فعاليات متعددة؛ التظاهر في الشوارع ضد النظام الاستبدادي، والعمل الإعلامي المتنوع لتغطية الحدث الأهم في تاريخ سوريا، وفضح ممارسات النظام، والعمل الإغاثي لدعم المتضررين من استجابة النظام المدمرة تجاه الانتفاضة الشعبية عليه، ولم نلبث أن دخلنا في طور الأسلمة المعلنة للحراك الثوري، وبشكله العسكري أولا، وما رافقه من تدخل إقليمي ودولي بات معلنا، ومن قبل كل الجهات الداعمة والمعادية للنظام، حتى قبل ظهور السرطان الداعشي بفترة. مما أدّى لوصولنا إلى تلك الحالة التي وصفها ياسين الحاج صالح بـ“انهيار الإطار الوطني للصراع”.

كل أشكال الإبداع في عمومها هي، في أحد وجوهها، شهادة على عصرها تمتلك حياتها الخاصة وقدرتها على الاستمرار

يضيف الريان: لم تكن بين يديّ أيّ أداة سوى الكتابة نفسها. على الأقل افترضت أن الزاد الذي خزنته على مدار عقود مضت، محاولات سابقة كثيرة في الكتابة الروائية لم تر النور، ولم تكتمل في الغالب الأعمّ منها، قد يكون كافيا لأقوم برحلة المراجعة الشاقة تلك. النتيجة كانت أن العمل أخذ منحاه التصاعدي بدءا من مخطط الحكاية الأولى “حكاية خوف”، ليكتمل مع الحكايتين التاليتين “حكاية ثورة” و“حكاية قتل”.

ويمكنني القول إن الإضافة التي حققها العمل بالنسبة إليّ هو كونه عملا أول وليس أخيرا. أي بداية طريق طالما حاولت الخوض فيها دون تحقيق أيّ تقدّم ملموس للكثير من الأسباب التي سيأتي شرحها لاحقا. يكفي القول في هذا السياق إن مخطط الرواية، الحكاية الأولى، كان موضوعا منذ عام 2004 ولم أستطع إكماله لسبب بسيط هو أنني وجدت نفسي مضطرا للدخول في حقل ألغام حقيقي فيما لو حاولت المتابعة، وفي ظروف يعرفها الجميع، ويعرف مدى الفساد الهائل المستشري في ذلك الوقت، خصوصا وأن موضوعة الفساد هي محور رئيسي في العمل.

يعتبر الريان أن القارئ، كما الكاتب تماما، شريك في صياغة العمل من موقعه كشخص يريد منك شيئا واحدا، قبل أيّ شيء آخر، حتى يتابع معك: صدقا كاملا، ودون هذا، فالكاتب يكذب ويبحث عن قارئ على شاكلته.

وعن مدى انعكاس الحال السياسية في سوريا على كتاباته في ظل تغوّل الاستبداد السياسي وتمدّد العنف الدموي يوما بعد يوم. يقول الريان: الحال السياسية دائما هي أول ما ينعكس مباشرة -وقبل أي حال أخرى- على أي شكل من أشكال الإبداع. إذ من المستحيل للمبدع، أيا كان شكل إبداعه أو مستواه، أن يقدم شيئا ذا قيمة في ظرف استبداد سياسي كامل وشبه مطلق، كالذي كنا نعيش في ظله في “سوريا الأسد”. حرية التعبير عن الرأي دون أيّ عواقب أو عقبات، هي الأرضية التي يقف الجميع عليها، سواء كانوا مبدعين أو متذوقين لهذا الإبداع، وهذا الشرط مستحيل التحقق في ظل استبداد سياسي.

كسر الصمت وطرح الأسئلة الحارقة

ما لم يقله التاريخ

يؤكد الريان أنه استطاع من خلال كتابته التعبير عن كل ما يشعر به بكل حرية، قائلا: بكل تأكيد تمكنت من ذلك، بفضل ثورة السوريين قبل أيّ شيء آخر. كان من العسير، إن لم يكن من المستحيل، بالنسبة إليّ مجرد التفكير في البدء بصياغة عمل، أيّا كان شكله، دون أن آخذ بعين الاعتبار فرع المخابرات الكامل المغروس في أعماق روحي. لم يكن هناك مخبر واحد في رؤوسنا جميعا، على ما درجنا كلنا على التندر حوله في فترة من الفترات، لقد نجح النظام في غرس فرع مخابرات كامل في روح كل واحد منا. ربما لهذا السبب مازلت، كغيري من السوريين، أنظر إلى ما حدث في مارس 2011 بصفته معجزة أكثر من أيّ شيء آخر.

وهذه المعجزة جديرة بأن تقدّم بكامل بهائها. ربما لهذا السبب يرى كثيرون أن الأدب بمختلف أشكاله لم يرتق، حتى اللحظة، إلى مستوى الحدث السوري الدامي. ولكن، وللإنصاف، فـإن أوان الحكـم هـذا لـم يأت بعد.

ويحدثنا الروائي السوري عن الحدود الفاصلة بين الكتابة الروائيّة والتوثيق أو التأريخ، مبينا أن كل أشكال الإبداع في عمومها هي، في أحد وجوهها، شهادة على عصرها. تمتلك حياتها الخاصة وقدرتها على الاستمرار كلما كانت جرعة الإبداع فيها أعلى، وكان اقترابها من الهاجس الإنساني العام أكثر، وبالتالي قدرتها على مخاطبة هموم الإنسان -في أيّ مكان أو زمان عاش- أكبر وأعمق.

مضيفا أن الكتابة الروائية هي أحد هذه الأشكال، مع خصوصيتها كنوع إبداعي مستقل. تلك الخصوصية لا تميزها فقط عن أشكال الإبداع الأخرى، كنوع إبداعي فقط، بل وأيضا عن التوثيق والتأريخ. حيث العمل التوثيقي، أو التأريخ، ملتزم بمعايير تخصه بصفته عملا ينحو منحى أكاديميا يستند إلى شروط لا يمكن تجاوزها وإلا فقد العمل مبرره ومعناه.

لكن في الحالة الروائية، الشروط مختلفة تماما، والمساحة في نفس الوقت أكثر رحابة. ربما لهذا السبب قيل إن “الرواية تحكي ما لم يقله التاريخ”. فهي بالدرجة الأولى، وكعمل إبداعي، معنية بجوانب شخصية لا يمكن للوثيقة التاريخية، وليس من مهمتها، أن ترصدها. هنا، في العمل الروائي، يكون الهاجس بالدرجة الأولى الإنسان نفسه.

وفي ختام حوارنا معه يقول الروائي شكري الريان: كأي سوري آخر، استعدت صوتي وحقي في الكلام، وإن كان بثمن باهظ جدا. لهذا فما هو بين أيدينا الآن ثمين جدا إلى درجة أنه لا يمكننا التفريط فيه.

15