شكري الميدي يفتح أسرار جيرمني الإيطالي في حانة بنغازي

الوضع في ليبيا بالنسبة للكاتب شكري الميدي أجي، مشاريع فردية تحاول جاهدة أن تقدم شيئا خلاقا، إلا أنها لا تُشكل أي مشهد روائي.
الثلاثاء 2019/04/09
قصصي لا تحترم القواعد المفروضة

يتحرك الكتاب والأدباء فرادى، لكل منهم تجربته الخاصة، حتى وإن تقاطع أو احتك بتجربة غيره، يبقى لكل كاتب صوته الخاص ورؤيته الخاصة، حتى وإن كان يستبطن داخلها كتابا آخرين، هذا ما يجب أن يكون عليه الكاتب أو تحول إلى مجرد مردد لأصوات من سبقوه. “العرب” كان لها هذا الحوار مع القاص والروائي الليبي شكري الميدي أجي، الذي نجح في أن يخط له تجربة مختلفة عن سابقيه.

صدرت مؤخرا عن دار عرب بلندن مجموعة “جيرمني الإيطالي يفتتح حانة في بنغازي” لشكري الميدي أجي (1984). وتأتي هذه المجموعة بعد عدة إصدارات أدبية عالج فيها حالات من تشرذمات الواقع المحلي والعربي.

تتناول قصص مجموعة “جيرمني الإيطالي يفتتح حانة في بنغازي” حالات عميقة للإنسان الضائع بين عوالم تتجاذبها محطات مختلفة بين الموت والحياة، والوعي والجنون، والشهوة والإرادة، وكذلك الأحلام واليقظة. إن أبطال قصصه هم أبطال مأزومون بعقولهم الرافضة للتنميط، أو الوقوع في فخ الوعي الجماهيري العام.

الإيطالي التائه

عن المجموعة يقول شكري لـ“العرب” إن “المناخات في القصة الواحدة متغيرة تماما، إنها لا تحترم تلك القواعد التي تفرض زمنا واحدا ومكانا واحدا للقصة القصيرة، إنها مزيج هائل من المناخات المتعددة، لذا لا يمكن الحديث عنها دون إسهاب، فالقراءة الجيدة لا بد أن تقود إلى ملاحظة ثيمتين تتمحور حولهما قصص المجموعة وهما: البحث والاضطهاد”.

القصة تتناول حالات عميقة للإنسان الضائع
القصة تتناول حالات عميقة للإنسان الضائع

ويضيف شكري “البحث عن الأصدقاء، الفتيات، الذات، الكتب والسعادة، بالموازاة مع ظهور واضح لشعور بعض الشخصيات بحاجتها إلى اضطهاد الآخر لعدة أسباب إما لأنها تعرضت بدورها للاضطهاد الجسدي والمعنوي مثلما نجد الميليشياوي من القصة الثالثة ‘إيجاد الموديل’ وإما لأنها شخصيات تعاني من وطأة الطموح لعوالم فقدتْ منذ قرون مثلما نجد في شخصية سليمان أرديا -الباحث عن وسائل لتأسيس شعب تباوي قوي سياسيا وعسكريا- نرى مشكلاته الشخصية في الجزء الأخير من القصة الأولى ‘إشارات مقدسة ومشكلات شخصية’ التي تبدأ بثيمة البحث عن صديق ومن ثم محاولات جمع مذكرات صديقه، التي تروي قصة قيامه بمساعدة فتاة مغربية-يهودية من صفرو على التعافي من عنف أحد رجال العصابات، لتبدأ تفاصيل مغرقة في السريالية إلا أنها تحافظ على ثيمتي البحث والشعور بالاضطهاد تماما مثلما نجد في القصة الثانية ‘دوامة توماس وولف’ أو البحث عن السعادة مثلما يحدث مع المهاجرين في قصة ‘الطريق إلى الموت’ التي تقابلها سادية حرس الحدود في التعامل الفظيع مع قطيع من الماشية بسبب خلاف مع دولة حدودية. جميع القصص تواجه هذه الحالة من السياسة والفن والمتعلقة بالاضطهاد الذي يطمح إلى التبرير ذاته بكونه من أخلاقيات المهنة”.

ثمة مفارقات هائلة في ذاكرة المكان في القصة المركزية “جيرمي الإيطالي يفتتح حانة في بنغازي”، حيث بنغازي تحمل ذاكرتين ثقافيتين على النقيض من بعضهما؛ ذاكرة قبل الربيع العربي، والذاكرة التي تلت ذلك، وكأن المكان كان حاضنة ثقافية لتاريخين رغم كونهما لصيقين للغاية.

وعن ذلك يقول شكري “في الأغلب نحن داخل ذاكرة جيرمي، ضمن قصص رفيقه الجنوبي، بالتالي نجد أنفسنا في صقلية، روما، موسكو وفي توزرو (جنوب ليبيا) ثم نعود إلى بنغازي، إنها جامعة للأماكن فهي لا تنسى مشحونة بذاكرة أبدية تواصل الاتساع ولا تفقد شيئا من أحداثها التاريخية، بالتالي فهي دوما مسرح لأزمان مختلفة، يُمكن بسهولة الحلم إيجاد شخصيات تاريخية تائهة في شوارعها، أدباء الستينات كانوا يتحدثون عن مشاهد رمي الحجارة ضد أشباح جنود الطليان داخل الأسواق، القصة من هذا النوع من الإيجاد المعتمد على الذاكرة المزيفة والشبحية، فمن المشوّق كتابة قصة عن إيطالي جنوبي تائه من أزمان الحرب العالمية الثانية، فضل البقاء في ليبيا هربا من جرائمه المزعومة خلال الحرب”.

ويتابع القاص “بالنسبة إلى الليبيين فإن الحقبة الاستعمارية الإيطالية لا تزال حاضرة، فليس غريبا للقارئ الليبي الحديث عن الاستعمار الإيطالي، فأغلب التاريخ الذي استند الليبيون عليه خلال النصف القرن الماضي يُدين بالكثير للحقبة الاستعمارية، فهي أنتجتْ الوجهة السياسية والفخر القبلي، إنها تماثل الاستيهامات البطولية التي يستنفد جيرمي وقته في روايتها لصديقه الجنوبي، القصة تحدث في نهاية الستينات، بعد ربيع براغ بحسب حديث جيرمي، نجدهما داخل حانة صغيرة ببنغازي، لا بد أنها سرية أو شيء من هذا القبيل، يقضيان على الملل والفشل، جيرمي برواية قصصه وصديقه بالاستماع لتلك القصص وشرب النبيذ الرديء، كلاهما يعيشان في مكان ويفكران في مكان مختلف داخل ذاكرتيهما”.

التجربة والخصوصية

في سؤال عن الاضطهادات التي لاقتها بعض العشائر الليبية على أعماله الأدبية. يجيب “الاضطهادات الجماعية لم أكتب عنها بعد، القليل الذي يظهر في قصصي حتى الآن متعلق بالاضطهاد الفردي، بعض حالات الخطف الغريبة التي انتشرتْ عقب الثورة، عمليات الاغتيال، مساءلة الذات، الندم والعقاب الانتقامي، وهي ليستْ شيئا مهمّا بالمقارنة مع ما يحدث في الواقع، كمية هائلة من الشائعات والأحداث الغريبة تحدث يوميا، شخصيات ضعيفة تظهر وتشن حروبا تغير من مناطق جغرافية هائلة، تتبدل العقليات من سنة إلى الأخرى من النقيض إلى النقيض، لا شيء ثابتا حولنا، جحيم حقيقي لمن يُقرر توثيق ما يحدث، إلا أنني امتلك ما يساعدني في دخول الجحيم والخروج منه، وهو ما أنوي فعله مستقبلا”.

لم تتح الفرصة لشكري لمتابعة المشهد الروائي العربي والليبي عن قرب. ويقول “الوضع في ليبيا مشاريع فردية تحاول جاهدة أن تقدم شيئا خلاقا، إلا أنها لا تُشكل أي مشهد روائي. خلال السنوات الخمس الأخيرة، لم تنشر رواية مؤثرة داخل ليبيا، أسماء قليلة نجحت في النشر خارج ليبيا وقدمت تجربة ناجحة، أما في الداخل الليبي، فالوضع مأسوي للغاية لم يظهر أي شيء عدا كتاب جمع نصوصا أدبية لشباب، وقد سبّب ثورة دينية هائلة، في الشارع، في المساجد وعلى مواقع التواصل وفي القنوات الليبية والقنوات الأوروبية الناطقة بالعربية، ولم يقرأ أحد النصوص بقدر ما تتبع الشائعات حول النصوص. مشهد محاصر بين الشك والإيمان”.

قصص جامعة للأماكن فهي لا تنسى مشحونة بذاكرة أبدية تواصل الاتساع ولا تفقد شيئا من أحداثها التاريخية

يرى بعض المتابعين أن تجربة شكري الميدي أجي تسكن منطقة وسطى، وتراوح بين الصادق النيهوم وإبراهيم الكوني، حيث تأتي مزيجا بين مدرستين متمثلتين في هذين الأدبين.

وعن هذا الرأي يقول الكاتب “قد يكون هذا مفهوما، فقد قرأتُهما منذ الصغر، ولم أعتبرهما معلمين لي، كما أن أيا منهما لم يسع إلى تأسيس مدرسة، بعض القراء حاولوا تقلديهما في أسلوب كتابتهما، النتيجة كانتْ تشويها مضحكا لا أعتقد أن النيهوم سيعترف بأي تلميذ، فهو لم يُقدم نفسه معلما لأحد، كذلك إبراهيم الكوني، بالتالي تجربتي هي خاصة بي ولا تراوح بينهما، منذ البداية حاولتُ خط أسلوب يشبهني وهو مع نجحتُ في الإحساس به مع مجموعتي القصصية ورواية توقف نمو”.

15