شكري بلعيد، رجل المبادئ الذي أسقط النهضة من قبره

الثلاثاء 2015/02/10
بسمة الخلفاوي: المسؤولية السياسية في اغتيال بلعيد تلقى على حركة النهضة

تونس- ما فتئت قضية اغتيال المناضل اليساري التونسي شكري بلعيد، تطرح العديد من الأسئلة حول هوية منفذيها والواقفين وراءها منذ سنتين خلتا. وقد رافقت الذكرى الثانية للحادثة هذه السنة الإعلان عن حكومة جديدة، وسط جدل كبير واحتجاجات متعددة على وجود وجوه من حركة النهضة الإسلامية ضمنها.

جدّدت أرملة المناضل اليساري التونسي شكري بلعيد، بسمة الخلفاوي، ومعها كثير من التونسيين، إلقاء المسؤولية السياسية في اغتيال شكري بلعيد على حركة النهضة الإسلامية عندما كانت في السلطة لأنها أخلت بحماية بلعيد ورسخت ثقافة الإفلات من العقاب للمتورطين في جرائم العنف والتحريض عليه.

وتجمّع، يوم الجمعة الماضي، مواطنون وسياسيون ومثقفون وأفراد عائلة بلعيد الموسعة وأرملته بسمة الخلفاوي وابنتاه في المكان نفسه الذي قتل فيه المعارض مرددين “شكري حي، دائما حي”، ومؤكّدين أن يوم السادس من فيفري 2013، سيبقى تاريخا ثابتا في ذاكرة التونسيين الذين مازلوا يتساءلون: “من قتل شكري”.

سنتان مرّتا على حادثة اغتيال بلعيد بالرصاص أمام منزله بالعاصمة تونس في عملية تبناها جهاديون، واتهمت أطراف إسلامية في حكومة حركة النهضة بالتورّط فيها، خاصة وأن شكري بلعيد كان خصما لدودا للإسلاميين، عارضهم وهو حيّ وساهم في إسقاطهم حتى بعد أن اغتيل صوته، حيث كانت عملية اغتياله، من أبرز الأسباب التي أدّت إلى سقوط حكومة الترويكا الأولى، بقيادة النهضة.

المطروح اليوم على اليسار التونسي هو أن يغادر تلك "العقلية الثورجية" ليتعامل مع الواقع السياسي ببراغماتية

ولطالما عرف شكري بلعيد بمعارضته الصريحة والشرسة لحكم الإسلاميين ولبرامجهم التي كان يرى أنها تحرض على العنف والاقتتال وتقسيم المجتمع وتعميق الهوة بين مكوّناته.

والتونسيون اليوم، وهم يحيون ذكرى اغتياله الثانية، يتذّكرون جميعهم أنّه دائما كان يؤكّد كذلك على الدور المركزي الذي يجب أن يلعبه اليسار في التصدي لتلك المشاريع الغريبة عن طبيعة التونسيين وطبائعهم.

ولتلك الغاية بالذات كان الشهيد أوّل من نادى بضرورة تأسيس جبهة يسارية واسعة، تترجمت مع ولادة ائتلاف “الجبهة الشعبية” الذي ضم عددا من الأحزاب اليسارية ناهز الـ12 حزبا، وكان بلعيد أبرز قيادييه.

وتحقق جزء كبير من حلم بلعيد بسقوط النهضة من الحكم عن طريق أرقى الآليات الديمقراطية (الانتخابات)، بعد اغتياله، وتحقق جزء آخر من حلمه بتحصيل الجبهة الشعبية لـ15 مقعدا برلمانيا في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وكذلك حُلول مرشحها للرئاسة حمة الهمامي في المرتبة الثالثة في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، إلاّ أنّ هواجس الماضي الأيديولوجية والنظرية، و”العقلية الثورجية” التي لطالما اصطبغت بها مواقف اليسار، يبدو أنّها مازالت تحول دون تحقق حلم بلعيد بالكامل.

ويرى مراقبون أنّ المطروح اليوم على اليسار التونسي هو أن يغادر تلك “العقلية الثورجية” ليتعامل مع الواقع السياسي وفق “منطق الدولة” بعيدا عن “سطوة الأيديولوجيا الشيوعية” التي تفتقد للبراغماتية السياسية.

شكري بلعيد: سيلجؤون إلى العنف كلما زاد اختناقهم وكلما زادت عزلتهم السياسية وكلما تقلصت شعبيتهم

لكن، وعلى الرغم من ذلك، لا ينفي مراقبون أن اليسار في تونس، كان ولازال، أحد صمامات الأمان أمام مشاريع الإسلام السياسي المتربصة، والتي يجب الحرص على بقائها على الرغم من سلبيتها في بعض المواقف؛ ولعل أبرز مثال يستحضره التونسيون من التاريخ هو دفاع الأحزاب اليسارية عن الجامعة التونسية ضدّ اختراق الإسلاميين لها.

خلال النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي استشعر اليسار التونسي خطر الإسلاميين وتقدم إلى جانب قوات الأمن للتصدي لهم، تكفل الأمن بالتعقب والملاحقة فيما تكفل اليسار بقيادة المعركة مباشرة ولم تأت سنة 1982 حتى كانت الجامعة التونسية مسرحا لحرب حقيقية بين “الشيوعيين” و”المؤمنين” استعملت فيها مختلف أنواع الأسلحة وأوقعت عشرات الإصابات من الجهتين.

ومنذ ذلك التاريخ، تجدّدت المواجهات التي تبرز اليوم من خلال رفض اليسار لتشيكلة الحكومة التونسية الجديدة التي حظرت فيها ثلاثة أسماء نهضوية (وزير وكاتبا دولة).

وقد شكلت تركيبة الحكومة صدمة عند كثير من التونسيين، الذين انتخبوا “نداء تونس” باعتباره خصما لدودا للنهضة ولامجال للتطبيع معها، وهم اليوم يدعمون الجبهة الشعبية ويطالبونها بعدم خذلانهم وأن تكون صوتهم وصمام أمانهم في البرلمان وعلى الساحة السياسية التونسية، وأن يتمسكوا بحق شكري بلعيد.

بسمة الخلفاوي، أرملة الشهيد اليساري شكري بلعيد، الذي اعترفت عناصر محسوبة على “تنظيم أنصار الشريعة” المتشدد باغتياله، أوضحت في تصريح لـ”العرب”: “أنّ موقع اليسار الراهن في تونس وفي العالم عموما يكتسي أهميّة كبرى”.

وأشارت إلى “أنّ الظرف الدقيق والحساس الذي تمرّ به البلاد والّذي يشهد العديد من التّجاذبات التي تشكّلت والأخرى التي مازالت قيد التشكّل، يقتضي من القوى اليسارية أن تركز على كيفية تموقعها وأن تولي أهمية كبرى لحماية حدودها وخطوطها يمينا ويسارا لكي لا تنزلق في خدمة مشاريع غريبة عنها”.

وأوضحت الخلفاوي، أنّ المطلوب من اليسار اليوم هو الموازنة بين تمسّكه بمبادئه من جهة وتأقلمه مع الواقع من جهة أخرى.

مراقبون يرون أنّ المطروح اليوم على اليسار التونسي هو أن يغادر تلك "العقلية الثورجية" ليتعامل مع الواقع السياسي وفق "منطق الدولة"

فهذه الفترة الحاسمة، وفق رأيها، تفرض على اليساريّين أحزابا كانوا أو مجموعات أو نشطاء صلب المجتمع المدني، ألاّ يبقوا خارج صيرورة التاريخ، خاصّة أنّ الواقع والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المُنهكة التي تمرّ بها البلاد اليوم تقتضي منهم الالتحام أكثر بالفئات الشعبية المحرومة والمهمّشة وتبليغ أصواتها والدفاع عن مصالحها من موقع متقدّم.

وحول قضية اغتيال شكري بلعيد قالت بسمة الخلفاوي إن حقائق جديدة ترتبط بعملية اغتياله ستظهر قريبا، مشيرة في نفس الوقت إلى أن الكشف عن ملابسات الملف يحتاج إلى قرار سياسي.

وأضافت أرملة بلعيد أن المسؤولية السياسية في اغتيال شكري بلعيد تلقى على حركة النهضة الإسلامية عندما كانت في السلطة لأنها أخلت بحماية بلعيد ورسخت ثقافة الإفلات من العقاب للمتورطين في جرائم العنف والتحريض عليه.

ويبقى اليوم أمام اليسار التونسي، وفق المراقبين، أن يحاول تجميع شتاته، وفق المسار الذي آمن به الشهيد شكري بلعيد، وأن يتوحّد في إطار حزب شامل وكبير ويوحّد رؤيته للمستقبل، لكي يتسنى له أن يلعب دور الضمانة، التي يعول عليها التونسيون وباقي القوى الحداثية، أمام مشاريع الإسلام السياسي التي تنتظر الفرصة لتنقض على البلاد والعباد من جديد.

اقرأ أيضا

7