شكسبير لأغراض تعبوية

الأحد 2014/11/02

لم يغب الدافع التعبوي عن أذهان مبدعي الدراما الإغريقية التي تناولت حروب اليونانيين مع أعدائهم، وأبرزها حرب طروادة، على الرغم من تصدر الوظائف الدينية والمدنية فيها من خلال مفهومي القدر والحتمية اللذين يفضيان إلى حالة من التبرير المنطقي والتسليم العاطفي بالنظام المهيمن على المجتمع. ولذلك لا نجد إدانة لتلك الحرب، أو تصويراً لفظائعها ومآسيها ولا شرعيتها، كما يفعل الكتّاب المعاصرون، بل على العكس نجد مسوغات لها، وتمجيداً لأبطالها ونتائجها، ما يتيح لنا أن نقرأ المسكوت عنه في خطاباتها والإمساك بذلك الدافع المعبر عن رغبة السلطة، فالمتلقون اليونانيون، الذين كانوا يزفرون في خاتمة العرض زفرةً جماعيةً تنم في آن واحد عن الألم والارتياح (أي التطهير حسب المصطلح الأرسطي)، يستوعبون في الوقت نفسه الدرس التعبوي للدراما: شجاعة اليونانيين، وقدرتهم على تحقيق النصر، وإلحاق الهزيمة بالعدو.

في مسرح عصر النهضة ثمة مسرحيات كثيرة عن الحروب التي شهدتها أوروبا، ومنها بعض مسرحيات شكسبير المعروفة، وتُعد مسرحيته “هنري الخامس” من أكثر مسرحياته تمجيداً للحرب التي شنها الإنكليز على الفرنسيين في أزنيكور عام 1415، وقد عرضت أول مرة في لندن عام 1599، وجرى تحويلها إلى فيلم سينمائي أكثر من مرة أولها على يد لورانس أوليفيه خلال الحرب العالمية الثانية عام 1944، وقد عمد أوليفيه إلى حذف جميع المشاهد التخريبية في النص المسرحي لإنتاج فيلم وطني يهديه إلى القوات التي ستقوم بتحرير فرنسا. ثم تلاه المخرج الإنكليزي بيتر أيوس عام 1957، ثم الكندي لورن فرد عام 1966، ثم الإنكليزي كينيث برانا عام 1989، ثم مخرجون آخرون.

إن ما يؤكد استثمار هذه المسرحيةً لأغراض تعبوية أيضاً استخدام الجنرال الأميركي نورمان شوارزكوف فقرات من خطاب هنري الخامس لإثارة حماسة جنوده في حرب الخليج الثانية عام 1991، وقيام اللفتنانت- كولونيل البريطاني تيم كولين، المتهم بارتكاب أعمال وحشية ضد الجنود العراقيين أثناء الحرب، بإلقاء خطاب حماسي لتشجيع قواته مذكراً بالعبارات التي استخدمها هنري الخامس، ما أثار إعجاب الرئيس الأميركي بوش الأب، وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز. في خطوة، ربما تكون أكثر وضوحاً وقصديةً، قامت وزارة الدفاع الأميركية في شتاء 2003 بتوزيع نص المسرحية على الجنود الأميركيين، قبل بدء غزو العراق، لتحفيزهم على القتال، متناسيةً أن المسرحية تكشف عن وحشية الجيوش مع حملاتها الدعائية، والإذلال الذي يتعرض له الجانب المهزوم.

وخلال أيام الغزو عرض المسرح القومي الإنكليزي المسرحية في لندن بإخراج حديث، وقد استخدم المخرج الملابس العسكرية وسيارات الجيب والبنادق الرشاشة. وضمن مجرى الفعل الدرامي يحاول مستشارو الملك إيجاد مسوغات لغزو فرنسا لكنهم لم يجدوا صعوبةً في إقناع ملك مصمم على القيام بهذه المهمة. وتذكّر أقوال الملك، التي يشير فيها إلى أن الله سيحرص على أن يكون النصر من نصيبه، بـ”الإيمان القوي” لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، تناغماً مع “إيمان” صديقه الرئيس بوش الابن. وعلى الرغم من توكيد مدير المسرح القومي هيتنر على أنه لم يختر المسرحية بهدف إثارة الجدل حول الحرب، فإن توقيت اختيارها آنذاك كان ذا مغزى تعبوياً لمواجهة الأصوات التي نددت بالحرب وأدانت اشتراك حكومة بلير فيها.

إن توظيف هذا النص الدرامي الشكسبيري لأغراض تعبوية حربية يقدم مثلاً صارخاً على نزعة تحويل الإبداع، الذي يتناقض جوهره الإنساني والجمالي مع أي نزعة عسكرتارية، إلى وسيلة في خدمة مقاصد سياسية براغماتية، وهو في حِلٍّ منها. والمفارقة هنا أن نص شكسبير قد جرى توظيفه لهدف تعبوي على يد أشخاص ومؤسسات تنتمي إلى نظام ديمقراطي وليبرالي وليس إلى نظام شمولي!


كاتب من العراق

11