شكسبير ينثر حكمته في ليستر

الأحد 2017/04/09

خلّد وليام شكسبير الكاتب المسرحي وشاعر كل الأوقات لنفسه إرثا ثقافيا لا يضاهى جعل من مخطوطاته الإبداعية فنّا أسطوريا مازال يشع حياة وألقا رغم مرور أربعة قرون على وفاته.

اليوم مازال البعض يتحسس خطواته ويأمل في السير على نهجه، لكن لا أحد كان يتصوّر أن يستعيد فريق ليستر سيتي هذه الأيام تلك الذكريات الإبداعية للشاعر الخالد ويعيش على وقع تألق جديد ارتبط باسم شكسبير الذي بدا وكأنه بعث من جديد لينثر إبداعاته صلب هذا الفريق.

“هناك ثمّة وقت في حياة الإنسان إذا انتفع به نال فوزا ومجدا وإذا لم ينتهز الفرصة أصبحت حياته عديمة الفائدة وبائسة”، هي إحدى حكم الشاعر شكسبير المعبرة، ومقولة يبدو أن مدرب ليستر سيتي الحالي استوعب معانيها وتفانى في المضي قدما وفق مصطلحاتها وعبرها، فكانت المحصلة المؤقتة نجاحا باهرا.

أليس في الأمر تماه وتشابه شمل حتى الألقاب، فمدرب ليستر قد لا يعدو أن يكون أحد أحفاد الشاعر الجد وليام شكسبير، هو المدرب المغمور كريغ شكسبير الذي انتفض من وراء الركام وخرج من “سجن” دكة البدلاء ونزع عنه ثوب المدرب الثاني ليقتنص الفرصة وينقضّ عليها كي ينثر على ملعب ليستر سحرا وإبداعا ويساهم في إخراج الفريق من مستنقع النتائج السلبية التي كادت تودي به إلى عتبات النزول إلى الدرجة الثانية.

منذ حوالي الشهر ونيف حصل ما لم يكن في الحسبان داخل فريق ليستر سيتي حيث قرّر مسؤولو الفريق إقالة المدرب الإيطالي القدير كلاوديو رانييري بعد سلسة من النتائج المخيبة والعثرات المتتالية التي جعلت الفريق على حافة الهاوية، وربما كان لزاما عليهم اتخاذ القرار الصواب والأنسب وإبعاد المدرب الذي عانق الروعة وارتقى إلى مراتب صانعي المعجزات بعد أن قاد ليستر خلال الموسم الماضي إلى الحصول على لقب الدوري لأول مرة في تاريخ النادي الصغير والمغمور.

حصلت القطيعة فجأة ولم يكن من السهل التعاقد مع مدرب جديد بسرعة لذلك تم تكليف المدرب المساعد آنذاك كريغ شكسبير لتولي المهمة مؤقتا إلى حين اتخاذ القرار المناسب وبدء رحلة البحث عن قائد جديد لسفينة ليستر.

كريغ شكسبير نجح سريعا في إعادة الروح للفريق وحفّز اللاعبين على الخروج من بوتقة الضغوط القوية التي كبّلت أرجلهم في بداية الموسم مع المدرب السابق رانييري

بيد أن “الحفيد” عمل بنصائح ذلك المبدع الأبدي وليام شكسبير إذ ترصّد الفرصة واستغلها بشكل رائع ومثالي للغاية والدليل على ذلك أنه أنهى عندما تولى المهمة المؤقتة قيادة الفريق للفوز في الدوري لأول مرة بعد ستة مباريات لم يعرف خلالها زملاء الجزائري رياض محرز طعم الانتصارات، بعد ذلك جاء الاختبار الأقوى والأكثر أهمية في منافسات دوري أبطال أوروبا إلا أن قدر ليستر المرتبط بصنع المعجزات خلال هذا الزمن قاد شكسبير المدرب إلى النجاح فساهم في فوز فريقه في مباراة الإياب على إشبيلية الإسباني ومن ثمة التقدم أكثر في مسابقة أمجد الكؤوس القارية.

لم تتوقف قصة النجاح في مسيرة شكسبير عند هذا الحد، فبقدرة قادر استعاد ليستر تحت قيادته سالف إشعاعه وتوهجه المحلي ويبدو أن قرار إدارة النادي بمنح هذا المدرب الثقة الكاملة لمواصلة تدريب الفريق إلى آخر الموسم زادته حماسا وعزيمة كي يثبت أنه تعلّم جيدا كل قواعد الإبداع الذي عرف به شكسبير الشاعر والحكيم، فحقق الفريق إلى غاية اللحظة ستة انتصارات متتالية في ست مباريات ساهمت في صعود الفريق من المركز قبل الأخير إلى المركز الحادي عشر.

في الأيام الخوالي قال هذا الحكيم العبقري “إذا ركب اثنان معا الحصان نفسه فأحدهما يجب أن يكون في الخلف”، واليوم أدرك المدرب الواعد معاني هذه العبارات، فبعد أن ركب حصان ليستر لفترة خلف رانييري آن له أن يكون في المكان الأمامي وآن له أن يكون صاحب القيادة والريادة بعد أن أثبت في الاختبارات الأولى أنه جدير بهذا الشرف وزيادة.

لقد نجح كريغ شكسبير سريعا في إعادة الروح للفريق وحفّز اللاعبين على الخروج من بوتقة الضغوط القوية التي كبّلت أرجلهم في بداية الموسم مع المدرب السابق رانييري، فعاد هؤلاء اللاعبون الذين كادت تقضي عليهم الشكوك أقوى من ذي قبل، ليقدم الفريق مستوى رائعا ومميزا في كل المباريات التي خاضها مباشرة بعد تولي شكسبير المهمة خلفا لرانييري، ولعمري تلك هي أسمى فصول النجاح التي جعلت من كريغ المدرب يشبه كثيرا وليام الشاعر، فلكل منهما رغبة جارفة في تجاوز كل الصعاب والتغلب عليها ومن ثمة الوصول إلى القمة العلياء.

اليوم سيكون لزاما على كريغ شكسبير أن يثبت للجميع أن ما تحقق تحت قيادته إلى حد الآن لم يكن طفرة عادية ستنتهي قريبا، وسيتعين عليه أن يواصل العمل بثبات وإخلاص وعزيمة قوية حتى ينهي الفريق الموسم في ترتيب أفضل من موقعه الحالي.

لكن ماذا لو نجح ليستر تحت قيادته في صنع المستحيل وتخطي عتبة الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا عندما يواجه فريق أتلتيكو مدريد القوي؟ حينها يمكن فعلا أن يتماهى كريغ مع وليام، ويصبح لمقولة شكسبير ينثر حكمته في ليستر معنى أكبر ورمزية أكثر.

كاتب صحافي تونسي

22